نبذة عن حياة سيدي الأحسن البعقيلي رضي الله عنه و أرضاه

سيدي الحاج الأَحْسن بن محمد بن أبي جماعة البعقيلي

العالم الجليل والصوفي الزاهد والمربي الناصح، الذي جمع بين الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادل أهل المراء بالأحسن فكان اسم الصفة مطابقا للفعال. سوسي الأصل والنشأة، بيضاوي القرار والمدفن، وما ارتحل إلى دار الخلد حتى كان قد أسس مائة زاوية تجانية في جميع ربوع البلاد.

سيدي الحاج الأَحْسن بن محمد بن أبي جماعة، ويكتب أحيانا الحسن. حفظ القرآن ببلدته الأولى بعقيلة بمدرسة (إكَدي) وفيها رأى أن الرسول عليه السلام كساه حلة أولها صاحب الترجمة بالدين والإمامة والإطلاع على الحقائق (المعسول، 11: 161-163).
ثم انتقل بعد ذلك إلى دراسة العربية، فأخذ عن جملة من الأساتذة، ولازم بعد ذلك الحاج مسعودا الوفقاوي بمدرسة بْوابُوض قبل أن يلتحق بفاس سنة 1318/1900 حيث بقي بمدرسة الصفارين مدة يسيرة، ثم التحق بأولاد كَنون فتزوج هناك وولد له واكتسب مالا قبل انتقاله إلى القصر الكبير الذي تزوج به من إحدى الأسر الفاسية، على أنه سرعان ما انتقل إلى مدينة سطات مارًا بالخزازرة واستقر به المقام أخيرا بمدينة الدار البيضاء سنة 1348/1929 وظل بها إلى وفاته سنة 1368/1948.
إلى جانب هذا النشاط العلمي والرحلات والمهمات الرسمية أسهم صاحب الترجمة بحظ وافر في مجال التصوف، فقد أذن له باكرًا في الطريقة الأحمدية التجانية أستاذه الشهير الحاج الحسين الإفراني مؤسس الزاوية التجانية بتزنيت.
كما أخذ التصوف أيضا عن الشيخ الحاج عبد الله الغشاني (المعسول، 11: 160) وقد أثبت صاحب المعسول إجازة الشيخ الإفراني لصاحب الترجمة تتضمن توجهات دقيقة في كيفيات استعمال بعض الأذكار وآداب ذلك للمريد السالك طريق الترقي والتزكية عند الصوفية عامة وعند الشيخ التجاني خاصة، مع الإذن بتلقين المريدين هذه الأذكار وما تفعل في تلقين الاسم الأعظم (المعسول، 11، 161).
وقد أجيز صاحب الترجمة في السلوك الصوفي من طرف شيوخ آخرين، منهم سيدي علي الإساكي، وسيدي الطيب بن أحمد بن الطيب السفياني، وأحد أحفاد الشيخ التجاني مؤسس الطريقة سيدي محمود رضي الله عنه، ومن الشيخ التجاني نفسه عن طريق الاتصال الروحي في الاسم الأعظم وغيره.
وحصل له بسبب هذا التجوال على مستوى الأمكنة والرجال ما بين قراء وعلماء وصوفية وحكام ملامحُ سلوكية وعلمية بارزة طبعت شخصيته فجعلته متمكنا من الحديث، حَسَنَ المحاضرة والاستطرادات اللغوية والقصصية وغيرها، مع ميل إلى الانبساط، متخذاً ذلك أسلوبا تربويا لإيناس المريدين والزوار، مع ما استلزمه ذلك من كرم في الضيافة ورفع للحرج بينه وبين خواص جلسائه.
ورغم ذلك كان ضابطا للسانه في تناول سيرة الأشخاص مع حرص على ملازمة الوضوء وإقامة الصلوات في أسرته ذات العدد زوجات وأبناء. وإلى جانب هذه الحياة الصوفية الحافلة أنتج قلمه مجموعة من المؤلفات وربما كان ذلك من أثر تخرجه من المدرسة الإلغية ذات الاتجاه الأدبي بسوس حتى وصفت مؤلفاته بالجودة.

وكانت زاويته بحي درب غلّف في المدة التي قضاها بهذه المدينة ما بين نشاط علمي وطباعي ونشاط تربوي صوفي ،لم تزل قائمة إلى الآن بدورها التربوي والعلمي بفضل جهود أبنائه وعلى رأسهم وارث سره ابنه سيدي محمد الكبير البعقيلي. وكانت وفاته عام 1368 هـ1948/

مصادر البحث:

م. المختار السوسي، المعسول، 11: 155-186، 12: 193، سوس العالمة، 208، 218،
ع. ابن سودة، دليل مؤرخ، 74،
م. ر. كحالة، معجم المؤلفين، 3: 211،
إ. بلماحي الإدريسي، معجم المطبوعات، 174-175.

معلمة المغرب، ج 4، ص 1286
بتصرف

ترجمة سيدي محمد قمار لشيخه البعقيلي رضي الله عنهما

مقدمــــــــــــــــة

قال صلّى الله عليه وسلّم « إنّ من عباد الله من لـو أقـسـم على الله لأبـرّه » رواه البخاري عن الأنصاري

مقتطفات من كنّاش العارف بالله العالم النفاع قطب زمانه وقدوة أهل وقته وأوانه شيخنا وسندنا وسيدنا ومولانا الحاج محمّد بن إبراهيم بن الطيّب التّيجاني السّوسي البعقيلي القماري اصلاً التونسي وطناً

عـلـى شـيـخـه

سيدنا وسندنا ومولانا خاتمة المحققين وقدوة أهل الرسوخ واليقين الحاج الأحسن بن محمّد بن أبي جماعة البعقيلي التّيجاني

رضي الله عنهم ونفعنا بهم في الدارين

آمين

نقله من خطّه الشّريف تلميذه المقدم البركة سيدي الحاج الحبيب بن حامد التونسي

تونس – 27 ذو القعدة الموافق 7 مارس 1998

من كناش سيدي الحاج محمد قمار رضي الله عنه

بــسـم الله ﭐلـرّحـمـن الـرّحـيـم

اللهمّ صلّ على سيّدنا محمّد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحقّ بالحقّ والهادي إلى صراتك المستقيم وعلى آله حقّ قدره ومقداره العظيم، سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون وسلام على المُرسلين والحمد لله ربّ العالمين ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم وإنّا لله وإنّا إليه راجعون والحمد لله ربّ العالمين.

فهذا الكنّاش مملوك لعبد ربّه تعالى الرّاجي عفو مولاه الغنيّ محمّد بن إبراهيم بن الطّيب التّيجاني السّوسي البعقيلي القماري أراد بحول الله وقوّته أن يذكر بعض مناقب شيخه وبعض أسراره وبعض إشاراته العلويّة وبعض أخلاقه الكريمة وزهده وورعه ومعاشرته مع الخلق رضي الله عنه ومتّعنا ونفعنا ببركته دنيا وأُخرى وعاشرنا اللّهمّ معه ومع أولاده وأصحابه فيما بقى في عمرنا في الدّنيا والآخرة آمين آمين آمين يا ربّ العالمين وهو رضي الله عنه العارف المعرّف إليه الواصل المُوصِلُ إليه والرّاسخ الذّي من تمسّك بعهده وصل إليه قطب عوالم رحى حيث ما كان الله إلاها فهو رضي الله عنه خليفته فيه أمدّنا الله بوصول الوصول على يديه آمين. هو شيخنا في كلّ شيء وﭐسمه هو ذا سيّدنا الحاج الأحسن بن محمّد بن أبي جماعة البعقيلي التّيجاني الشّريف سمعت منه رضي الله عنه قال ما سمّوني الأحسن حتّى صرت أحسن وقال : « قال لي صلّى الله عليه وسلّم أنت شريف » وقال : « حلف لي صلّى الله عليه وسلّم قال له لا يوجد مثلك على وجه الأرض في هذا الزّمان بالقسم منه صلّى الله عليه وسلّم » وقد كان رضي الله عنه يرعى الغنم ستّة سنين في صغره قبل قراءة القرآن ومع ذلك يتلو رضي الله عنه ثمانين ألفاً (80.000) من الصلاة على الرسول صلّى الله عليه وسلّم، الصلاة الأمية قاله لي سيدي محمد القماري وكان يقول انظر هذا في صغره، نحن لو أردنا حتى أن نعدّها ما استطعنا، كل شيء سابق في علم الله في الأزل ككبش العيد يظهر منذ صغره ! وفُتِحَ عليه وقال « عملت الفقراء في غنمي » يعني كان يقول :« هذه شاة قد فُتِحَ عليها وهؤلاء عن قريب والآخرون سيتبعونهم » يعني همّته رضي الله عنه سَرَتْ إلى الفقراء رغم صغره.

وقد كان الأولياء الكبار، أي الأموات رضي الله عنهم، في البعقيليين يأتونه عيانا من جملتهم سيدي أحمد بن موسى وسيدي أحمد البعقيلي وغيرهم رضي الله عنهم وعن شيخنا أفضل الرّضي وذلك في بعض الجبال في بلدة مسمّاة « بإِقْضِ »، ينصحونه ويحرّضونه على القراءة وصار رضي الله عنه يقرأ القرآن حتى خرج السلكة ورجع مع الأخرى إلى أن وصل إلى سورة السّجدة وقد كان ذلك العام جدب لم ينزل المطر فيه لمدّة طويلة، وكان اليوم الذي كتَبَ فيه سورة السجدة شديد الحرِّ ومُشمِسٌ ولمّا فرغ من كتابها وعلّقها في شجرة كانت في الجامع وحلف رضي الله عنه أن لا يقرأَها ولا يُعيدها إلى مكانها إلاّ إذا أتى الغيث، ثمّ خرج ليقضيَ حاجتَهُ وعاد منها مسرعا لأن المطر القويّ نزل في الحين.

قال صلّى الله عليه وسلّم: « إنّ لله رجالٌ لو أقسموا على الله لأبرّهم » فشكر الله وأعاد لوحته إلى أن ختم السلكة إلى أن وصل السّورة المذكورة وحلف أن لا يقرأها إلاّ إذا نظرها في اللّوح المحفوظ، في الحين أتاه اللّوح وقرأها فيه وقال : « كما كانت في اللّوحة كذلك في اللّوح لا زيادة ولا نقصان » لمّا قرأ القرآن رجع لقراءة العلم إثر تحريض الأولياء لأنّهم كانوا يأتونه في الجبل المذكور يوم الجمعة والله أعلم قال حتى يوم الاثنين ورزق الفهم الكثير وكان في بعض المدارس في قبيلة أهل أُشْتُكَ وكانت أمّه للاّ عائشة من أهل الخطوة تأتيه في عصر كلّ يوم بالأكل وكان بينها وبينه مسافة أيام رضي الله عنها لمّا قرأ رضي الله عنه أراد أن يقدم إلى البلد وذهب إلى قباب بعض الأولياء مرارا، فكان بمجرّد أن يدخل يقول له، أي الولي المدفون، اِرجع اقرأ عيانا. وذات مرّة في مسجدهم بينما كان في المحراب دخلت عليه ثعلب في المقصورة وسمعها حين أتت تمشي بالبلغة لمّا دخلت صارت ثعلب وقالت له السلام عليك فردّ عليها السلام فقالت أتحسب أنك قرأت؟ اِرجع اِقرأ « شتى ما يبغيو فيك الناس » لمّا أتمّ القراءة رضي الله عنه أتى إلى داره وﭐجتمع أيضا بالأولياء المذكورين ونطق سيدي أحمد بن موسى وقال له أتريد أن نبيّن لك ماذا تفعل فقال نعم وقال اِمضي إلى موضع كذا وكذا وذلك الموضع في بلده وفيه كذا وكذا فخذه وﭐبني به مدرسة ودرّس فيها وتتقوّتُ أنت وطلبتُكَ بذلك المال وﭐستريح.

وقلق منه وغضب سيّدي الحاج الأحسن رضي الله عنه وقال له اِمضي فلا أراك بعد هذا اليوم حين صارت الصحبة التي بيننا طمع فلا حاجة لي بك ولا بما قلت لي ومضى سيدي أحمد بن موسى وطال ما بينهم وقال شيخنا رضي الله عنه كيف أغضب على رجل توفيَّ وأنا في الدّنيا وورده المعلوم يتلوه كلّ يوم أي الصلاة الأمية يتلو فيه شيخنا البعقيلي كلّ يوم دائما وهو (80.000) من الصّلاة عليه صلّى الله عليه وسلّم ولمّا أيقن وتهيأ إلى زيارة سيدي أحمد بن موسى لأنّه كان صاحبه أكثر من الآخرين وخرج رضي الله عنه ولبس بُرنسه الأسود وخرج إلى أن وصل إلى وسط البلد أو الدار وأتاه شيطان مرِيد لعنه الله ولبس أيضا بُرنس أسود ممزق معلوم في ذلك البلد ووجهه قبيح المنظر وله عين واحدة خارجة كحبّة العنب المفقوءة وتسيل بالدموع ولحيته فيها شعرات مثل القطّ وقال له أين تذهب ؟ فقال له رضي الله عنه إلى سيدي أحمد بن موسى فقال له لم يكن هناك فقال له ما سألتك هل هو هناك أصلاً ومضى إلى حاله ومضى سيدي الحاج الأحسن ودائما لا يفتر عن الصلاة عليه صلّى الله عليه وسلّم لمّا وصل إلى ما شاء الله في الطريق أتاه اللّعين أيضا وقال إلى أين وقال إلى فلان وقال ما قاله أوّلاً لم يكن هناك وقال له ما سألتُكَ وأخذ يتهكَّمُ منه ويقول ” ضغ ضغ غ غ ” يريد أن يثقل لسانه عن الذكر لأنّه لا يزيد معه الكلمة بأختها ويصلّي على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومضى في حال سبيله لمّا وصل رضي الله عنه بعض الأودية في الطريق أو شعبة كبيرة في المرتع وأتاه اللعين في وسط الوادي وشدّه وشنقه من رقبته وقال له إلى أين وقال إلى فلان فقال له أما قلتُ لك لم يكن هناك وقال له أما قلت لك ما سألتك وشنقه الشيطان حتّى احمرّت عيناه (أي سيدي الأحسن) رضي الله عنه وقال له لابدّ أن ترجع وإلاّ فعلت بك كذا وكذا وقال له أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وقال الشيطان أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وقال له أنت شيطان قال أنا شيطان وقال أيضا أعوذ بالله من الشيطان الرّجيم فقاله أيضا وقال رضي الله عنه وتحيّرتُ في أمري ولا يزيدُني إلاَّ تشنيقاً ودفعته وزدتُ وزاد لي تشنيقاً ويقول ولا بدّ أن ترجع وإلاّ أهلكتكَ وبقينا ما شاء الله في ذلك الوادي وإن لعنته يقول مثل ما قلت وإن قلت له أنت شيطان يقول أنا شيطان وتحيّرتُ لمّا عرف همّتي قويت على القدوم لا على الانصراف ولو فعل ما فعل وقبض على جبل يقالُ له بَنْكْرُ ووضعه لي في الطريق وهو جبل لا طريقَ فيه وأطلقني بعد ذلك وقال اِذهب وأين الطريق الآن وزادني حيرة ولا أرى منفذا أبدا وبقينا واقفين ما شاء الله ويقول مثل ما أقول أوّلاً وأنا ألعنه ويزيدُ في لعنهِ أيضا وإن قلت له أنت شيطان ويقول أنا شيطان ولمّا قَويتْ همّتي وقلت أعوذُ بالله من الشيطان الرّجيم ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم وتبدّل لونه لعنه الله وكررْتُهاَ ثانية، وزادت فيه الصّفرة وكررْتُهاَ ثالثة وﭐضمحلّ فلا رأيــتُـهُ لا هو ولا الجبل ومضيت إلى أن وصلت إلى سيدي أحمد بن موسى ولقاني في مدخل القُـبَـّة أو المركع لقد نسيتُ في أيّهما لقيته وتحاكيا بينهما وصار صاحبه وزاره ويأتيه مرارا بعد مرار ويتحدّثون إلى أن يـَحِيـنَ وقت الصّلاة ويرمون أقدامهم إلى مكّة ولا يرمونها إلاّ إذا وقف الصفّ ويقول بيني وبين المدينة في تلك المدّة أربعة أصابع لا جبل عندي ولا مسافة وذلك كلّـه قبل دخولي في الطريقة التّجانية وسافر إلى بلد أَيِتْ بُعُمْرَانْ إلى بعض السّادات وسمعهم يتحدّثون ويقولون أنّ قراءة طه أم الكهف ليلة الجمعة أو ليلة الخميس يحضر فيها الـنّـبي صلّى الله عليه وسلّم، لمّا أدركنا ذات الـلّيلـة وقرأناها جماعة من الطَّلَبة وأنا أبكي تشوّقا إليه صلّى الله عليه وسلّم ها هو صلّى الله عليه وسلّم حاضر فيها من أوّلها إلى آخرها وقال لي بعضهم ما يبكيك يا ولدي وقلت له ها ما سمعت ها ما رأيت وبَكوْا رضوان الله عليهم أجمعين وكان رضي الله عنه يسمع الأولياء يذكرون القطب ويقولون هو سيدي الحاج الحسين الأفراني هو القطب وهو يعطي الطّريقة التّيجانية ويقول في نفسه أي سيدي الحاج الأحسن لم أعرف هذا القطب هل هو مثل الناس أم كيف هذا القطب ؟ ويقولون ويسمع أنّ من تلاقي مع القطب هو يوصله إلى الله وتحيّرت وأين ما ذهبت يقولون لي شتّى ما يريد منك الناس وقال له بعض الأولياء كان يقرأ عليه العلم أُعطيتَ مقام أُويس القرني وزاد عليه عشرين مقاما أو أربعين قال رضي الله عنه سببه أنه كان سيدي الأحسن يكتب مناقبه بنفسه ويدّخرهم تحت الأرض ورآه شيخه وطالعهم وقرأهم وقال له ذلك من حين عرفه وخرج من عنده وقال في نفسه أحسب أنك لم تعرفني وحين عرفتني فلا مكوث عندك ولم يرد رضي الله عنه الظّهور وﭐشتهر رضي عنه وكلّ ذلك في صغره ويأتونه أهل البلاد لزيارته وﭐشتاق في بعض الأيّام إلى زيارة القطب الجامع سيدي الحاج الحسين الأفراني رضي الله عنه وقال ها أنا أريد أن أمشي إليه فما الذي أزوره به لم يكن عندي شيئ وكان رضي الله عنه له إخوة وكانوا ذو مال وقال لا يجوز لي أن أزور بمال الورثاء وذهب إليه بيداه خاوية بنية أن يوصله إلى الله وقال في نفسه إنّي متوجّه إليه فإن كان قطبا فهو سيبحث عنّي وأنا أقف على باب داره لا غير وكان رضي الله عنه ساكنا في مدينة تزنيت وأتاه رضي الله عنه وكان المطر يهطل وﭐمتلأ الوادي بعدما وصل رضي الله عنه عاد حمل الوادي وسأل عن داره فَـؤُورِيَـتْ له ووقف على بابها بعيدا ولم يرى أحدا ووقف ثانية كذلك وكان رضي الله عنه عنده خبر به ومضى إلى المدرسة عند بعض الطّلـبـة بات فيه إلى الصّباح وأخرَج سيدي الحاج الحسين رضي الله عنه أصحابه يبحثون عنه في الـلّيـل وكان المطر غزيرا وخرج بضع وعشرة من أصحابه وأعطى لكل واحد منهم برنس أسود وفانوس (ليستضاء به) ويقول لهم ﭐمضوا كل واحد منكم إلى فلان وفلان وفلان أكابر أهل تزنيت إلى أن كاد بعضهم أن يغرق في الوادي وأتوا في وسط اللّـيل ولم يعرفوا أين هو وآخر اللّـيل لمّا أصبح الصّباح وأتى سيدي الحاج الأحسن رضي الله عنه وقال أيضا لا بدّ أن أقف على باب داره بعيدا ولا أطرُقه وإن كان قطبا فهو يبحث عنّي ليـوصلني إلى الله لمّا أتى إلى أن وصل أمام الباب أخرَج القطب سيدي الحاج الحسين الأفراني يده الشّريـفة من الفتحة التي يدخلون منها أيديهم ليفتحون الباب وأخرجها مشيرا له وينظر الآخر رضي الله عنه اليد تشير ولا يرى شخصا ومضى إلى الباب وفتح القطب الباب من غير أن يراه وأدخله رضي الله عنه وأغلق الباب وسلّم عليه وﭐعتذر منه وقال له ما سألـتـنا شيئ البارحة ؟ قد مضى أصحابي وفـتّـشوا عنك عند أكابر تزنيت مضوا إلـيهم وسألوهم عنك ولم يراك أحد حتى كاد الوادي أن يذهب ببعضهم لغزارة المطر وحمل الوادي ومضى به إلى بعض البيوت وقال ﭐنظر ما عُـلِّـقَ فيه ونظر رضي الله عنه فوجد فيه البرانسَ كلّـهم مبـلـلين وكل واحد معلَّـق ومعَـه الفانوس ويقول له هاهو واحد وهذا الآخر ثمّ الآخر إلى أن عدّهم له رضي الله عنه وقال له أين بتَّ البارحة فقال له في مدرسة كذا عند الطالب فلان وقال له سبحان الله أنا قلت لا تقصد إلا أكابر تزنيت وفرح به ثمّ بعد ذلك فرش له أنواع الفراش وأتى له بشتّى الكتب ووضعهم بين يديه وقال له اِطّلع عليهم ومضى. وأمسك رضي الله عنه كتابا وفـتحه وقرأ فيه مسألة واحدة وذكرها لنا قد نسيتها ثّمّ أغلقه ووضعه فوق الكتب ومكث الشيخ ما شاء الله ثم أتاه فوجده يصلّي على النّـبي صلّى الله عليه وسلّم وقال له أقرأت الكتب ؟ فأجابه لا حاجة لي بها وإنّما أتـيْـتُـك لوجه الله لتُـوصلني إليه جلّ وعلا وذلك كلّه رضي الله عنه إختبارا له وفرح به أيَّـمَا فرحٍ وأعطاه الطّريقة التّجانية رضي الله عنهما وقـدَّمهُ فيها ومن جملة ما قال له بعد الِورد والوظيفة اللاّزمة، أذنـتُـك في جميع أوراد الشيخ رضي لله عنه وفي الأسماء والمسمَّـيات والأسرار والإرشاد والترقية والأحوال وفي تدريس العلوم والتّفسير لكتاب الله والحديث والخواص وأذِنـتُـك في جميع ما يُعـبَد به الله على الإطلاق سِرْ أنتَ خليفـتي أنتَ خليفـتي أنتَ خليفـتي لا تطيلُ الغياب عنيّ لمّا ذهب إلي أن وصل بلده في ليلة ممطرة وباردة فدخل رضي الله عنه إلى دهليز لهم فيه تِـبْـنٌ لأنه يُـسَخِّــنُ جسد من نام عليه وجعله فراشا له ولمّا حان وسط الـلّـيل أتـت أمّـهُ الفاضلة الزّكية النّـقـية الطّاهرة الشّريـفة السـيّدة عائشة وفـتحت الباب ودخلت عليه وقال لمّا سمعتُ الباب قلت في نفسي لعلّ بقرةً أتت إلى هنا لكثرة المطر وقالت له حين دخلت : الأحسن وقلت لها نعم يا أمي إلى أين في هذا الوقت وقالت له أتـيـتك يا ولدي لتعطيني شيئا ممّا أتـيـت به من عند سيدي الحاج الحسين الأفـروني (بلفظها) وﭐستعذر لها وقال لها ما أتيت من عنده إلاّ ببعض الكتب وقالت له إنما قلت لك ما قلتُ أوّلاً رضي الله عنها وكانت صاحبة أحوال فلمّا رآها لم تقبل منه الأعذار وقال لها ما الّذي أتيتُ به من عنده ؟ فقالت أتزعم بأنكم خَفيـتم عليَّ؟ لابدّ تعطيني ممّا أعطاك سيدي الحاج الحسين الافروني لأنّـي رَأيـت النّـبي صلّى لله عليه وسلم يعطي لسيدي أحمد الـتجوني (بلفظها) وسيدي أحمد يعطي لسيدي الحاج الحسين وسيدي الحاج الحسين يعطيك لمّا أخبرته بالواقع رضي الله عنها ومتّـعـنا ببركاتها قال لها إن أعطيتك فلن تبقـيْ أُمِّي قالت له قبِلتُ قال لها إنّ لها شروط قالت له قبلتهم قال لها يجب عليكِ أن لا تزوري السيدة فلانة وهي واحدة من بعض النساء المشهورات بالولاية في ذلك الوقت وكلما قال لها قالت له قبلت ولقّـنها الطريـقة في وسط الّليل لكثرة شوقها ثمّ قال لها أنت الآن أمي فكانت رضي الله عنها أوّلَ من أذِنَ له في الطّريقة الـتِّـيجانية لا يعرف أهل الخير إلا أهله وقد كان في صغره رضي الله عنه كثيرا ما يصحب سيدي أحمد بن موسى وكانوا يتحدثون إلى أن حان وقت الصلاة وهم في الزّاوية في روضته وقـبّـته المعلومة ويقول له الشيخ سيّدي الحاج الأحسن نمضي إلى مكة ونصلِّي فيها فيرمون أقدامهم ويقفون مع الصفّ ويصلّـون ويركعون ويرجعون وكان يقول رضي الله عنه كنت في صغري بيني وبين المدينة مسافة أربعة أصابع وأرى الغنم إذا خرجت ترعى وأعر ف لغة أنواع الطيور وهذه الناعورات التي يسقون بها الخُضَر وكان كثير الخلوات رضي الله عنه وقد بقيَ مدّة ستة أشهر لا يستطيع فيها معاشرة الأحياء من الإنس بل بمجرد نظره إليهم يهرب منهم كمن يفرّ من الوحوش وكان معاشرا لأهل المقابر في تلك الأشهر المذكورة وكان أيضا في اِبتداء نظره إليهم يراهم كلّهم عراة لأنّ الله أطلعه على سرّ القضاء قال ولمّا تَمكَّنَت صحبته لهم أصبح يرى بعضهم يقرأ دليله أو مصحفه أو تسبيحه أو يأكل ويشرب وبأنواع الأنعم يتنعّـمون وبعضهم يبكي ويصيح من أنواع العذاب والسّلاسل نازلة عليه من السماء والبعض يتقـلّب في قبره بأنواع العذاب أجارنا الله من جميع الأهوال والعذاب ولجميع المسلمين وﭐستغاثوه رضي لله عنه ولمّا رأى كثرة الذين يصيحون صار يمضي إلى هذا يقرأ عليه شيئا من القرآن فيرتاح ويمشي إلى الآخر كذلك كل من قرأ عليه شيئا رضي الله عنه يُسكـته من صياحه وﭐشتغل بذلك وعاشرهم ستة أشهر وطلب من الله أن يُزيل عليه تلك المرتبة لأنّ صاحبها لا يطول عمره في الدّنيا لشدة صعوبتها وكان إذا خرج ولبس ثيابه ونظر إلى عورته الكريمة فكأنّـه لم يلـبس شيئا وكذلك النّاس عنده ويستحيي وزالت عليه تلك المرتبة رضي الله عنه ونفعنا ببركاته آمين.

ومن ورعه رضي الله عنه إذا أراد أن يخرج إلى زيارة سيدي الحاج الحسين الأفراني رضي الله عنه يـبحث بما يمضي به إليه من الإحسان ولم يرى شيئا سالما من الوراثة رغم أنّ دارهم دار مال ولا يطلب إخوانه أبدا ويمضي في حال سبيله فارغ اليدين بل بقلب سالم صافي والأولياء القلب الصافي عندهم أفضل من كثرة الأموال وكان يقول ذلك وكثيرا ما ينشد له بعض الفقراء في هذا الانبساط يقول القائل : شعر

وإذا صفى لك من زمانك واحد    &     فهو المراد وأين ذاك الواحد

ويقول إيه إيه إيه رضي لله عنه آمين.

وكان رضي الله عنه في بعض الأيّام في الخلاء العام ومدّ يده إلى شجرة لوز وقطع منها واحدة لمّا قطعها يبست يده ولا يستطيع أن يردها إلى بدنه الكريم وردّها (أي اللوزة) إلى محلّـها وشدّت أكثر من الآخرين سبحان من حفظ أحبابه الأولياء كما عصم الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام ومن توكّـله رضي الله عنه أنّـه في بعض الأيّام بعثه أهله إلى دارهم في أَزغر وأتى به بحمل من الشَّعير وحمله على دابته وذهب ورجع إلى دارهم وفي الجبل لمّا توسط بين وجّن إلى امّن نْـتَصْغْـرْ سقط له الحمل من فوق الدابة على الأرض وذلك المكان كله خلاء فارغ من النّاس والشّمس قربت أن تغيب ونظر يمينا وشِمالا ولم يرى من يعينه إلا الله وتحير لثقل الحمل الذي لا يقدر عليه إلا أربعة أو ستّة من النّاس وتوكّل على الله وقال بسم الله ورفعه عليها وذهب في حال سبيله وقال فكأنّما رفعت شيئا قليلا رضي الله عنه ونفعنا ببركاته ولجميع المسلمين آمين. وكثيرا ما يقول أنا لا أعرف الجوع ولو لَبثتُ مدّةً بمجرد أن يقول لي البعض أتأكل؟ أحسّ بآلام الجوع في تلك السّاعة وكثيرا ما يقول له الأولياء ممن اِنـتقـل من دار الفناء إلى دار البقاء يقولون له أتزعم بأنّك الآن قرأْت ؟ اقرأ شتّى ما يريد منك الناس. وكان رضي الله عنه يقول لم يحدث لأحد في سياحته ما حدث لي لأنّه في صغره بعد قراءة العلم كان كثير السّياحات سافر مرّة إلى بلاد إدوتنن وهي قبيلة كبيرة ومشى إلى بعض المواضع فيها ودخل المسجد لمّا صلّى الناس العشاء مضى كل واحد إلى منزله وبقيتُ في المقصورة وأتاني مؤذن ذلك الجامع وقال لي ﭐنهض وﭐخرج سوف أغلق باب المقصورة وقلت له إني غريب وأنّ المغارة موجودة إني خفت فدعني في المقصورة فأبى وقال النوم في المقصورة حرام وقلت له إني لا أنام أبدا فأبى وكلما اِستعذرت له يأبى ومسكني وجرّني إلى باب المقصورة ثم أغلقها وذهب. ولمّا صار الثلث الآخر من الـلّيل أتاني هاتف وقال لي إنّ صاحبك الذي فعل بك ما فعل فإنّ عيناه خارجتان. ولمّا أصبح الصّباح وأتى النّـاس إلى المسجد وسئلوا عن المؤذّن فأتوه فـوجدُوه كما قال له الهاتف وسألوه عمّا فعل بي وكان الجماعة قد اِشترَوْا ثورا ليذبحوه في بعض أولياء بلدهم ويقال له سيدي إبراهيم أو عليّ وأَتوْا به إلى عندي في المسجد فذبحوه لي. ويقول رضي الله عنه ما زال ذلك الرجل حيًّا. اللّهم ﭐحفظنا من إذاية الأولياء وإذاية جميع المسلمين آمين يا رب العالمين.

وكان يقول رضي الله عنه : قال لي سيّدي الحاج الحسين الأفراني ثلث أهل إدولتيت كلّهم أولياء وهم يُسَمّوْن أيضا إدو بعقيل أو أيت إسفّـن، وزاد فيه سيدي الحاج الأحسن وقال أرضهم شبرين والثالث فيه الوليّ لمّا قال له رضي الله عنه ذلك قال ﭐهتممت بهم ونجدهم يرقصون في الأعراس وغير ذلك فنحسبهم ووجدتهم كما قال لي رضي الله عنه ويقول رضي الله عنه نرى حملة القرآن يخرجون وهم يمشون في الطّريق وأنا أنظر إليهم يمشون بين السّماء والأرض وقال رضي الله عنه سيدي أحمد بن موسى قـطبانـيّتـه من بلد أدوتنان إلى السّاقية الحمراء فقط وقال رضي الله عنه سوس الأقصى ما فيه إلاّ قطب واحد يعني القطب الجامع وقال هو سيدي الحاج الحسين الأفراني رضي الله عنه ونفعنا ببركاته آمين وأحواز مرّاكش ومع مرّاكش ما فيه إلاّ واحد وهو سيّدي محمد الكنسوسي وفاس وأحوازها ما فيه إلاّ اثنان الشّيخ الجامع سيّدي أحمد التّيجاني ومعه سيّدي أحمد سقلّي وما في وزّان سبعة وهم مذكورون في الإفادة الأحمديّة وقال رضي الله عنه روضة سيدي أحمد بن موسى في تزروالت فيها 1200 من الأولياء مدفونين فيها وروضة الحدّ متع تّمشت مدفون فيها 500 وليّ وكان رضي الله عنه عند سيّدي محمد بن سلطان به عرف في شرارݤ وكان حين أتاه ولقيه في بعض الطّرق وفيها زيتون وعانقه سيدي محمّد بن سلطان بمجرّد أن رآه وقال له « يا كبدي أنت الحاج الأحسن » وكرّره له رضي الله عنه وقال له نعم وكان رضي الله عنه لا يذهب إليه إلاّ بالإذن لأنّ الشيخ رضي الله عنه أعطاه سبعة من النّاس (أو أربعة) لـيُرَبّـيهم وقال لنا رضي الله عنه منهم بن سلطان ولم يصرّح بالآخرين (ولو يصرّح بابن سلطان إلاّ بعد أن توفّي) وكان عنده ذات مرّة وشكى إليه إبنه سيّدي محمّد قال له إنّ أبينا جميع ما أتاه يأكله الفقراء، ولم يكن له لا طاولة جيّدة ولا كؤوس ولا مفرش وقصّ عليه شيخنا القصّة وقال له إذا مِتَّ ولم تترك لهم شيئا (على الأقل) وفّر لهم ما يستقبلون به الفقراء من المواعين وقال له إنّ أخذتك عليهم الغيرة فـﭑطلب أنت الله لهم ومن همّة شيخنا رضي الله عنه أتتهم في الغد المواعين الرّفيعة من عند بعض أهل فاس وبرّاد ومعه مجمّر حديد وطاولة وكؤوس وكان رضي الله عنه يربّيه وهو لا يشعر لأنّه ما قرأ العلم وهو رجل مفتوح عليه وكان يدرس العلم عنده ويتعرّض له وقال له إنّي بُعثت لأربّيك ومن هناك رضي الله عنه حذر رأسه وﭐستحي منه وقال لأولاده إذا بعثهم لأمر إذا وجدتم الفقيه ما زال يدرّس لا تكلّمونه إلى أن يكمل وكاشف عليهم شيخنا وقال لهم إذا بعثكم أبيكم إليّ فكلّموني ولو في وسط الدّرس وقال له سيدي محمّد بن سلطان مرّة، يا كبدي أتريد أن نشارك ما عندك وعندي ونأتي إليك بكنّاش سيّدنا عليّ كرّم الله وجهه فلم يقبل منه ذلك رضي الله عنه وفي الغد أتاه الكنّاش عندما أطرق الباب رجل لم يعرفه ومكّنه له لمّا تلقّاه قال له أعطوه لك وقال له ذات مرّة أتريد أكبدي أن نلاقيك مع سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم وقال له لاق نفسك رضي الله عنه (لأنّه صلّى الله عليه وسلّم دائما معه لا يفارقه) وذلك كلّه من اِستعظامه بإذن الشيخ سيّدي الحاج حسين الأفراني رضي الله عنه آمين وكثيرا ما يقول من يلاقيه الله بالقطب فلا يشوّش نفسه بالآخرين وكلّ ما يريد يأتيه من شيخه.

وقال رضي الله عنه مرّة أتي إلى سيدي الحاج الأحسن وقال له إنّي مشتاق إلى الفقراء وأنا وحدي في البلد لمّا ذهب إلى البلد بمُجرّد أن يأخذ الكتاب ويطّلع فيه وينظر وتغطّيه له لحية سيدي الحاج الحسين رضي الله عنه وقال له سيدي الحاج الحسين ذات مرّة من أسَّرَتْهُ قفّة من التراب في قبره فلا يُسمّى بالرّجل ولمّا توفّي رضي الله عنه أتاه إلى زيارة قبره من القصر إلى تزنيت وقال له أنت قلت من أسَـرته قـفّـة من الـتّراب لم يسمّى بالـرّجل والآن لا أقبل منك إلاّ الخروج وتتصافح معي لمّا تعشّى ومكث في الزّاوية للذّكر وبعدما نام النّاس سمع الباب يُفـتـح وقال لعـلّه الخادم لأنّ الباب مغلق بالمفتاح لمّا ﭐلتفت ونظر فإذا بسيّدي الحاج الحسين هو الذي فتح الباب لابس حائكه وشدّ أذياله تحت إبطه رضي الله عنه وعلّق المفاتيح بالخنصر والبنصر من أصابع اليد اليسرى وقد علّق الفانوس المشتعل في السبّابة والوسطى ولقيه رضي الله عنهم وتصافح معه تارة يقبض الإبهام وحده وتارة يقبض الأصابع الأربعة مدّة نصف ساعة من الزّمن كالمصافحة المعلومة عند الفقراء وذهب رضي الله عنه وأغلق عليه الباب كما كان.

وقال رضي الله عنه ذهبت مرّة إلى زيارة سيدي محمّد أتـلف في قبيلة في نكـنف في الحاحة لمّا وصلت وأردت أن أدخل عليه في البيت ويلاقيني بيده ولا أرى شخصه ويدفعني ولا يتركني أدخل إليه وقال إذ نظرت في اليد عرفتها بأنّها يد سيّدي الحاج الحسين وشخصه لم أره وأعاد ذلك مرارا ودفعـتـني تلك اليد وفهمت ومضيت ولم أزره وهو في طريقـتـنا ولم يتركه شيخه أن يزره لعـلـوّ مرتبته رضي الله عنهم أجمعين.

وقال رضي الله عنه مضى ذات مرّة لزيارة الشّيخ في فاس لمّا وصل إلى باب الزّاوية ولم يستطع أن يتجاوزه لكثرة الأنوار الّتي تحرقه وغشي عليه في الباب منذ الصّباح إلى المساء فغادر وأمضى ليلته في القرويّين ثمّ عاد ثانية ودخل وتجاوز الباب بشيء قليل فسقط أرضا وغشي عليه إلى اللّيل وغادر أيضا إلى القرويين ولمّا أصبح الصّباح رجع ووصل الضّريح بمشقة وزار ولم يطلب لنفسه الكريمة شيئا إلاّ بعد ثلاثة أيّام وأمّا تلك الأيّام فطلبه كان للفقراء والمسلمين رضي الله عنه وخرج إليه الشّيخ سيّدي أحمد التّيجاني وطرده وقال له ﭐخرج من زاويتي فأنت المُربِّي في المدن والبادية وخرجت ومشيت في أزقّـة فاس ورأيتها تتهاوى هذا الحائط يضرب ذاك وهذا الحائط يضرب الآخر وأنا أجري إلى أن خرجت من فاس وتلك الحيطان لم يسقط منها شيء أبدا لمّا أتيتها مرّة أخرى ودخلت إلى الزّاوية ونظرت إلى الشّياطين في المكان الذّي سجنهم فيه الشّيخ رضي الله عنه وأتوني الفقراء من الجنّ من المكان الذّي يجلسون فيه في الزّاوية وزاروني منهم من قـبّـل يديّ ومنهم قـبّل كتفي وآخرون قبّلوا رأسي وقلت لهم اِذهبوا إلى موضعكم فإنّي لست بالجنّ فأنا من الإنس وذهبوا رضوان الله عليهم أجمعين وذات مرّة جلس متوجّها إلى الضّريح لأنّه يأتـيه خفية لأنّ الفقراء عرفوه وصاروا يزدحمون عليه ولم يشعر إلاّ وبعض الفقراء كلّمه وقال له يا سيّدي أنت زرت فأعطنا حـقّـنا وﭐلتفت رضي الله عنه فوجد حلقة الذكر مدوّرة كبيرة وقال له اِسأل وقال له يا سيّدي نحن نقول أنّنا عَمَّرْنا الزّاوية فـﭑنظر أيكن فينا فقير أو لا لأنّ سيّدي محمد الكنسوسي أو سيّدي العربي بالسائح قال أصحاب الشّيخ قليلون جدّا والفقراء قليلون والتلاميذ كثيرون قال لهم نعم أصحاب الشّيخ قليلون قليلون قليلون اِقـتضت المصلحة الإلهية قـلّتهم والفقراء كثيرون كثيرون كثيرون اِقـتضت المصلحة كثرتهم والتلاميذ كثيرون كثيرون كثيرون جدّا اِقـتضت المصلحة كثرتهم فقالوا له ما حقيقة ذلك؟ الصّاحب في المقام التّاسع والفقير في المقام الثّامن والتّلميذ في المقام السّابع فلا يخرج أحد عن هذه المراتب الثلاثة إلى السّفلى يعني السّادس وغيره وذلك ببركات الشيخ رضي الله عنه، أمّا التلميذ حقـيقـته من تـتلمذ بالشيخ يعني أخذ هذا الورد لأجل غرض من أغراض الدّنيا والآخرة وأخذه لكي يدخل الجنّة ولكي تتحسّن عنده أمور دنياه من أبقار و ______ وغيرها من الأغراض الكثيرة بمجرّد ما تقع منه المعصية إلاّ وينتقل من المقام السّابع إلى المقام التّاسع لأنّه أراد أن يهرب وكَتَّفَهُ الشّيخ رضي الله عنه وضرب له رضي الله عنه المثال لهم ولنا قال مثله كمن أمسك عِجْلَة صغيرة وربطها بحبل طويل لمّا ربطها وزعمت أنّها محبوسة تحت الأتاد وفي الحبل ولم يبقى في الأتاد إلاّ العروة المعلومة وصارت تجري يمينا وشمالا وهي مربوطة والحبل أيضا يطول على الأتاد إلى أن كمل الحبل وصارت واقـفـة على الأتادة وشعرت بالإعياء ورقدت أيضا لأنّها لمّا طال الحبل أرادت أن تهرب لمّا ﭐجتمعت مع الأتادات تعـبت وذاك هو المقام التّاسع وإذا عمل ذنبا آخر نزل إلى المقام الثّامن وإن عمل آخر نزل إلى السّابع المذكور وإن عمل آخر صعد أيضا إلى المقام التّاسع لأنّ الحبل منطوي على ذلك الأتاد لمّا وقفت وصارت تمشي شيئا فـشيئا إلى أن اِنتهى الحبل في الأتاد وطال الحبل ولم يبقى في الأتاد إلاّ العروة المعلومة وصارت تجري يمينا وشمالا وهي مربوطة والحبل أيضا يطوى على الأتاد وتعبت ورقدت أيضا لأنها لمّا طال الحبل أرادت أن تهرب لمّا اِجتمعت مع الأتاد تعبت وذاك هو المقام التّاسع وإذا عمل ذنبا آخر نزلت إلى المقام الثّامن وإن عمل آخر نزل إلى السّابع المذكور وإن عمل آخر صعد أيضا إلى المقام التّاسع وهكذا دائما والحمد لله حين ربطنا ولم نخرج وفرح الفقراء بذلك وﭐشتغلوا بعبادة الله وتركوا سوء الظنّ ببركاته وحرّضهم في غاية فالله يجازيه عنّا كلّ خير.

قال رضي الله عنه مرّة كنت في بعض الأيّام في زاوية في الطلع في فاس كان جالسا فيها ويتلو أذكاره ولم يشعر إلاّ والشّيخ دخل عليه وقال له أنت تجلس هنا وفقيري في السّجن عند قائد الجيش فلان بفاس لأنّ ذلك الفقير في معسكر السّلطان ومضى شيخنا سيدي الحاج الأحسن بسرعة ودخل من الباب رغم الحراسة ولم يره أحد ودخل من الثاني كذلك إلى أن وصل محلّ الحكم ونظروا إليه وتعجّبوا من أين أتى ولم يكن لهم خبر بدخوله والقاعدة عندهم يستأذنون للدّخول وسألهم قائلا أخرجوا لي الفقير من السجن وقالوا له لم يكن عندنا فقير أبدا وحرّضهم فلم يعرفوه وقال لهم هو اِسمه فلان بن فلان وقال لهم نادوه فلان بن فلان فقير سيّدي أحمد التّيجاني فأجابهم نعم وقالوا له ﭐخرج وخرج ولمّا خرج قال له اِخلع الزيّ العسكري وﭐترك معه السلاح وﭐذهب وهكذا أخرجه رضي الله عنه ونفعنا ببركاته آمين.

قال رضي الله عنه أنه ذات مرّة جالس في الزّاوية في الطلع بفاس أيضا أتاني الشيخ سيّدي أحمد رضي الله عنه وقال له اِمضي إلى مدينة طانجة في هذه السّاعة ولا تبقى هنا أسرع مباشرةً وخرج رضي الله عنه والحاصل لمّا وصل مدينة طانجة وجد فيها الفقراء كلّهم مخاصمين بعضهم البعض فلّما أحسُّوا به وبعدما أمرهم بالاجتماع ﭐجتمعوا عليه ونهض إليهم بالهمّة القويّة وتذاكر معهم وأغرق في المعرفة فقط لأنّ أكثرهم علماء وفيهم سبعة أو ثمانية أو عشرة من المقـدّمين وخاصمهم رضي الله عنه وتعجّبوا من معرفته وعلومه وحقائقه وإشاراته إلى أن بلغ في قلوبهم أقصى المحبّة وبعد ذلك أمر المقدّمين أن يطرحوا السّبحات فطرحوهم وقال لهم أنتم لستم بمقدّمين إلاّ واحد منهم يقال له سيّدي عبد السّلام لم يأمره بطرح السّبحة وهم لم يحبُّوه لأنّه قبيح الصورة رضي الله عنه والشّيخ رضي الله عنه سيّدي الحاج الأحسن قال أنا أنظر إليه أنّه أفضل منهم وأرى النّبي صلّى الله عليه وسلّم في جبهته الشريفة يمشي ويجيء لمّا طرحوهم أمرهم أن يسترجعوا سبحاتهم ذلك ليعرفوا حقّ سيّدي عبد السّلام رضي الله عنهم وأذن لهم كلّهم في التّـقـديـم وقال لهم سيّدي عبد السّلام مقدّم كبير عليكم فـﭑسمعوا منه وقَبِلُوا ذلك وسكن والحمد لله الغضب الذّي كان لأنّهم كانوا لا يأتون إلى الزّاوية ويأتون إليها جميعا إلى الآن لمّا ذهب بعض الأيّام قال له بعضهم بارك الله فيك أهل طانجة كلّهم بخير ببركاتك والحمد لله لكن يا سيّدي بقيَ لك واحد قال لهم من هو قالوا له ِعلْمُهُ كبير لكن لا يخرج لأحد أبدا ولا يصلّي مع النّاس ولا يُدرّس قال لهم لماذا؟ قالوا له إنّه يقول النّاس اليوم كلّهم أطفال ولم يبقى حتّى عالم وتعجّب في نفسه وهو كبير السنّ قال لهم ﭐمضوا بي إليه ومضوا إليه في اللّيل وهو مع بعض الفقراء وأدخلهم إلى الدّار ورحّب به غاية وقال له يا سيّدي سمعت بك أنت سكّنت لنا البلاد فالله يجازيك عنّا كلّ خير والحاصل لمّا أكلوا وأتى لهم بالشاي وسأله سيدي الحاج الأحسن رضي الله عنه قال له يا سيّدي اِسمك أحمد؟ قال له نعم وما كنيتك قال له المصباح وهو يقال له سيدي أحمد المصباح وتذاكر مع المصباح وصرّفه له كما كانت قاعدة النّحويين وأطال معه فيها حتّى سكت المصباح وذهب إليه شيخنا إلى المعرفة بالله ﴿المصباح في زجاجة﴾ (النّور الآية 35) وأطال فيها وهو ساكت إلى أن قال له يا سيّدي أنا أزعم في نفسي أنّه لم يبقى العلماء وهذه العلوم ما سمعتها من الفقيه قنّون أبدا وهو رضي الله عنه يريد أن يُنْزِله من التعجّب ولم يشعر إلى أن أصبح الصّباح وقال لهم قوموا لنصلّي الفجر وهم يزعمون أنّ اللّيل باق وقال لهم قد أصبح الصّباح وقاموا وصلّوا وقرؤوا الوظيفة وذكروا أورادهم وجلسوا للمذاكرة بعد صلاة الضّحى وقال له ماذا تقول في قول الإمام الغزالي حين قال ليس في الإمكان أبدع ممّا كان قال له المصباح أنا أوّل من قال بكُفره قال له مسكين أنت أمّا قوله ليس في الإمكان أبدع ممّا كان أي ليس في صورة الكون أفضل وأكمل وأعزّ وأكرم من صورته صلّى الله عليه وسلّم لمّا سمع ما قاله قال له هات يدك أشهد أن لا إله إلاّ الله وأشهد أنّ محمّدا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لمّا فهم منه شيخنا صحّة التّوبة وخاصمه وقال له سيُحاسبك الله في علمك الّذي كتمت عن النّاس وخاف حينئذ وقال له يا سيّدي ما الّذي أفعل؟ قال له تخرج وتصلّي بالنّاس في المساجد وتُدرّس فيهم، وندم وخرج من يومه وزاد لهم تعجّبا حين سمع منه وخرج ومجلس شيخنا يخرج له جميع القضاة والعمّال وجميع العدول حتّى يمكن القول أنّ مجلسه كالمحشر بكثرة النّاس.

قال رضي الله عنه كان ساكنا في القصر ويُدَرِّس فيه العلوم وله فيه أربعة مجالس في كلّ يوم وكلّ مجلس في جامع وذلك أربعة جوامع بمجرّد ما ندخل المجلس ونجد الجامع مُكتضّ بالنّاس والازدحام فيه فإذا أكمل الدّرس وﭐنتقل إلى مسجد آخر ونجده كذلك والازدحام فيه حتّى لا نجد مسلكا إلى المحراب ولا ندر في أيّ وقت ولا كيف يجتمعون بهذه السرعة فإذا شرعت في القراءة فالشّيخ سيدي أحمد التّيجاني رضي الله عنه هو الّذي يُدرّس عِيَانًا وأنا ساكت والنّاس يزعمون أنّني أنا الّذي أُدَرِّس ويأتي النّاس من البوادي ليزورونني فإذا خرجت إلى الزّاوية في الصّباح أجد النّهج مكتضّ من أمام باب الدّار إلى الزّاوية وشوّش النّاس عنّي لكثرة الازدحام وكان ذلك الّذي أخرجني من القصر المذكور حتّى لا أشوّش على أحد. وذات مرّة كنت أدرّس في المعرفة بالله والشّيخ رضي الله عنه في يميني والخليفة الأعظم سيدي الحاج علي حرازم جالس معه ونطق سيدي الحاج علي قال له يا سيدي تعجّبا منه، أهذا من الإنس أو من الملائكة أو من الجنّ قال له الشيخ رضي الله عنه بل من الإنس ولو كان يدرّس معرفة الله تعالى أنفاس الدّنيا والآخرة لا ينفذ ما عنده لأنّه يُقْرِأ بالله رضي الله عنه. قال رضي الله عنه أَعطُونِي سيف كبير وقالوا لي اِضرب به يمينا وشمالا والحضرة تعضّ في فمها وتشير لي بأن لا تفعل بالإشارة كالإصبع وهذا قاله لي تربي لي (ﭐنظر صفحة 21) لأنّه رضي الله عنه أطلعني على بعض الأسرار وصارت دعوتي مستجابة ولو قسمت بالقسم لكان ما قسمت به قال له بعض الفقراء إنّ لله رجال لو أقسموا على الله لأبرّهم ونظر إليّ وقال نعم قال رضي الله عنه كنت مرّة في السّياحة ولقيت رجل لم يصلّي قطّ وأمسكته وأمسكني بعد ما حرّضته عليها فأبى وجرّني وأوقع بي أرضا وجذبته وسرنا بجذب بعضنا بعض وقال لي الصّلاة غَصْبًا؟ قلت له نعم وتحيّر وأبى إلى أن قبل ورَضِيَ وصار يصلّي وقبض الطّريقة في يومه أو بعد ذاك اليوم رضي الله عنه.

كان رضي الله عنه مسافرا ووقف في بعض الوديان ومشى إلى أن وصل وسط الوادي وحمل الوادي وأمسك بشجرة ووقف وراءها من الجهة الّتي لم يكن فيها الماء قويّا إلى أن دار عليه الوادي كلّه وكان ذاك الوقت في الصّيف، قال رضي الله عنه كنت مرّة في بعض البيوت وشرعت فيها في الورد وتصوَّرت لي صورة من قاع البيت وصارت تكبر وتكبر إلى أن ملأت البيت كلّها إلى السّقف ولم يبقى بيني وبينها إلاّ شبرا وقالت لي السّلام عليك وقلت لها وعليك السّلام وقالت لي الموت تقرئك السّلام وقلت له مرحبا بها وبمن أرسلها وﭐضمحلّت تلك الصّورة لمّا أصبح الصّباح وركب على حمار كان له ووضع عليه البردعة ومشى إلى أن وصل إلى وادي سْبُ وسار يقطع الوادي ______ مع الطّريق في وسط الوادي ووقع في بركة ماء فيه ______ والحمار أوّلا كان شُدّ عليه الوادي وأتى رضي الله عنه من الجهة الّتي فيها الماء قويّا وخاف ذاك الحمار وفتح عنه البردعة ودفعها للوادي وغلب عليهم الحال والحمار حمله الوادي والفقيه ______ الوادي ووقع في البركة المعلومة عندهم وبقي فيها ساعة من الزّمن وقال في نفسه في وسط الماء لا بدّ أن أعمل جهدي في الشّريعة وقال حين إذا يا سيدي أحمد وأطلعته الحصيرة التي أتته في الحين إلى أن طلع فوق الماء ومشت الحصيرة إلى أن قطع الوادي رضي الله عنهم لأنّ أولياء دونه مرتبة هم أطلعوه بالحصيرة ويهربون منه اِستحياء لمّا طلع ولقي بعض النّاس وسأله وقال له كان لي حمار فهو في المكان كذا وكذا لأنّه مشى مع الوادي إلى أن أوصله ونظر له الحمار وعين الحمار تبكي حين رآني وأمسك _______ عود من الدّفلة وقال لذلك أتريد أن تطلعه بإجارتك لمّا سار يتحدّث معه وسمعه بعض الفقراء ومشى مع الوادي وعرف وشدّ الحمار في رجله وسار مع الوادي إلى أن وصل المقطع وأطلعه ومشى الحمار ونظر إليه الفقيه وأمسك البردعة كانت بعيدة على حافة الوادي ومشى ذلك الفقير وأعلم الفقراء وذبحوا كبشا وفرشوا الزّاوية من الباب إلى آخرها وبقي رضي الله عنه إلى أن جفّت ثيابه الكريمة وركب على حماره ودخل إلى الزّاوية وفرح به الفقراء ولم يكن فيهم من يقول له جرى لك كذا وكذا اِستحياء منهم رضي الله عنهم وكذلك هو لم يقل لهم شيئا رضي الله عنه ونفعني ببركاته آمين.

قال رضي الله عنه أَتَوْنِي الملائكة ومعهم الشّيخ والنّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وأعطاني الشّيخ صندوقا كبيرا وأخرجت المفتاح من جيبي وفتحت الصّندوق ووجدته ملآن بالرّسوم وقرأتهم وعرفتهم كلّ واحد بـﭑسمه وكلّ رسم فيه طابع العدول وطابع القاضي وتلك الرّسوم كلّها رسوم الكُفّار لمّا عرفتهم كلّهم وأرجعتهم في الصّندوق وأعدت المفاتح في جيبي وأتاني صندوق آخر كبير وأخرجت مفتاح ثاني وفتحته ووجدته كذلك مملوء بالرّسوم وقرأتهم كلّهم وعرفتهم كلّ واحد بـﭑسمه وكلّ رسم بطابع العدول وطابع القاضي أيضا وجمعتهم وأغلقت الصّندوق وأعدت المفاتح في جيبي قالوا لي اِسمع أنتَ القطب أنتَ القطب أنتَ القطب ووقع له ذاك في عام أربعين في السّنة وفي القرن (1340 هـ) كذلك لأنّه وُلد في رأس القرن رضي الله عنه ونفعنا ببركاته ونفع به جميع المسلمين آمين يا ربّ العالمين.

قال رضي الله عنه وعن شيخنا آمين كنت ذات مرّة مع الفقراء في القصر أو في مدينة طنجة وعلى كلٍّ وقع من أحدهم لا أتذكّره لأنّه طال عليّ الحال ولم أكتبه إلى الآن كان في البادية على عادته يسافر مباشرة إلى الإخوان الفقراء وحين أتى ودخل الزّاوية وذكر الوظيفة مع الإخوان وكثير منهم لم يحضروا وسأل عنهم وقالوا له إنّهم أمسكهم النّاظر وأدخلهم السّجن وذلك النّاظر كانت له صولة مع حاكم البلاد وبعث إليه شيخنا بعض الفقراء وقال لهم قولوا له قال لك فلان أطلق سراح الفقراء بارك الله فيك وها أنا أنتظرهم لتناول العَشاء معا وبعثه النّاظر وقال له لا طاقة لي لأنّي أرسلتهم إلى الحاكم وزجّ بهم في السّجن ولا بدّ من تدبير حيلة لنخرجهم وقال قل له أن يصبر للصّباح وأتى الفقير إلى شيخنا وكرّر له ما قال الآخر وردّه شيخنا وقال له على كلٍّ أنا في ﭐنتظارهم لتناول العَشاء وردّه الآخر بأن قال له عليه الانتظار إلى الصّبح لأنّه لا يمكن لي ذلك في هذه السّاعة ورجع وقال له ما قال وقال له يمكن دخولهم إلى السّجن ولا يمكن خروجهم؟ ونهض في الإبّان وقال له أرجع إليه وقل له أنّه يجب عليه أن يطلق سراحهم في هذه اللّيلة وإلاّ كَلِمَتُكَ من هذا اليوم لا تُسمع ورجع إليه وتحيّر النّاظر وخاف والفقراء مع شيخنا يشربون الشّاي ويتذاكر معهم كما كانت عادته إلى الصّباح ويترقبونهم إلى أن أصبح الصّباح وأتاه رضي الله عنه الفقراء وتبعهم الرّسول إلى فاس وقال له إنّ فلان كلمته لا تسمع من هذا اليوم وأخرجوه في ذلك اليوم ولم ينظر إليه أحد لا بالقليل ولا بالكثير من ذاك اليوم.

قال رضي الله عنه آمين كنت أُدرّس في زاوية مدينة سطات في الشّاوية وبعض الفقراء لم يرضوا بي يقولون هذا شلح ويدرّس لنا ونحن فينا فلان وفلان وما سمعت ذلك وتخاصموا في المجلس وهو لا يتكلّم وضربه بعض الفقراء بلطمة في وجهه الكريم وأراد الفقراء أن يُقوّوا الضّرب ونهاهم شيخنا بأن أمرهم بالصّلح وأطردوا ذلك الفقير لمّا خرج الفقير من الزّاوية وﭐلتقى بحاكم البلاد في الحين قال له في هذه السّاعة اِرحل من هنا إن بتَّ هنا هذا اليوم حكم عليك بالسّجن وبغرامة ماليّة وخرج إلى مرّاكش وصار زحّافا بعد بعض الأيّام ورجع إلى سطات وطلب من شيخنا المسامحة وسامحه وقال له لم أفعل لك شيئا بل أنتَ فعلت ذلك بنفسك ويذهب إليه شيخنا إلى داره وما زال زحّافا إلى الآن والعياذ بالله من إذاية الشّيوخ والفقراء ومن ذلك خافه الفقراء وعظّموه رضي الله عنهم لما رأوا من وقوع الفعل.

قال رضي الله عنه كنت في سطات المذكور وكنت أُألّف فيها كتاب في الطّريقة الأحمديّة وﭐسم الكتاب هو « الإراءة » وفي بعض الأيّام أتاني سيدي العربي بن السّائح معاينة يقظة قال لي إذا ظهر كتابك هذا لن تظهر بعده البغية وﭐستحييت وتركت التّأليف والكتابة وفي بعض الأيّام أتاني شيخنا سيدي أحمد التّيجاني وأتاني بالكرّاس المعلوم الّذي بدأت فيه بالكتابة ومع القلم والحبر وقال لي ﭐكتب وﭐسأَلْ وما كتبت فيه شيئا إلاّ ِبإِذْنٍ من النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

قال رضي الله عنه سافرت إلى القصر من الرّباط وركب معنا في السّيارة بعض الشّرفاء ولم يكن معهم نقود ولمّا طلب صاحب السّيارة الأجرة وأتى إلى الفقير الشّريف لم يجد عنده مالا وقال له إنّي شريف اِبن فاطمة الزّهراء رضي الله عنه _____ ولم يجد عنده شيئا وسبّه ولمّا ﭐقتربنا من القصر قلت لجميع الرّكاب في السيّارة إنزلوا فنزلوا وقلت لصاحب السيّارة إذهب إلى سبيلك وذهب وكنّا قد إقتربنا من باب المدينة لمّا ركب سار مسافة قليلة وﭐنقلبت به السّيارة وفرح الشّريف بعد ما مان غضبا وأتى إليه وقال له الآن عرفت شريف أم لا؟! والحاصل أنّه فرح رضي الله عنه.

وما وقع له رضي الله عنه في الخزازرة في الشّاوية في بعض الزّوايا بناها رضي الله عنه في الخَمْدَشْ وعمل فيما مؤدّب ويعلّم الفقراء والصّبيان لمّا دَارَ الحول وأتاهم وﭐجتمعوا عليه وقال لهم أريد أن ترمّموا الشّرط وقيّدوا جميعا إلاّ واحدا وهو بُعَزَّوِي طريقةً وكان ذا مال ولم يأتي وبعث إليه فأبى ومشى إليه بنفسه فأبى أن يخرج إليه وقال له إنّي أريد أن لا تحرم نفسك مع الجماعة إن لم تستطع قيّد نفسك ولو بربع ريال فأبى ورجع شيخنا منقبضا وفي الحين قالوا له يا سيّدي إنّ بقرتان صدمتهم سيّارة لفلان المذكور وماتا جيفة ولا يوجد مثلهم في تلك النّاحية إلاّ نادرا والعياذ بالله وصار ينقص من ماله إلى أن دار عليه الحول وتوفّى وذهب المال بعد ما كان معذّبا بالمرض الشّديد، قال رضي الله عنه فهي شائعة في تلك البلدة من غير إخبار والعياذ بالله تعالى.

قال رضي الله كنت جالسا في الزّاوية الّتي عند سي عمر في رْقَدَ وكلّمني هاتف قال لي السّعودي لم بقي يتولّى والّذي تولّى السّملالي رضي الله عنه.

رأيت منه بعض مرّات خرجت معه بعد صلاة العصر وذهبنا إلى القصبة ونظر إلى عجول له وهي أربعة أو خمسة وهم راقدون ومضينا إليهم لمّا وصلنا عندهم قاموا إلاّ واحدا لم يقم وما كنت أظنّه أن يقوم بل راقد وقال له شيخنا قُمْ أيّها العجل وما تمّ من فمه الكريم رضي الله عنه إلاّ والعجل قائم.

قال رضي الله عنه مضى بعض الأيّام إلى القائد بن شرّاط في خريبقة وكان فقيرا وقد ترك الورد وكان معه شيئا من العلم وتذاكر معه الشّيخ وحرّضه بالرّجوع إلى الورد وطال معه من المغرب إلى ظهر الغد ونكر عليه حتّى الولاية وقال له بل الأولياء لم يكونوا في هذا الزّمان وتَلاَينَ معه رضي الله عنه فأبى لمّا رآه واقع في جهله البالغ قال له رضي الله عنه أنا واحد من الأولياء سلّم لي في نفسك وأنا أرميك في الثلث الخالي في هذه السّاعة وأنا جالس في مكاني ولا أتحرّك أو أرميك أين أردتُ ورجع القائد في الحين خائف على نفسه وتاب إلى الله لمّا رأى منه أنّه أراد أن يهلكه وتبدّل عليه ولم يكن معه كما كان أوّلا لأنّه رضي الله عنه قال له أيّ شيء أريد منك من البارحة وأنا معك على مصلحتك فأبيتَها وأنا تركت أولادي والصفّ مع الفقراء أكثر من خمسين وبقيت معك في البادية في مصلحتك هي الّتي أتت بي إليك وقال له بعد ذلك ما قال له وتاب وجدّد الورد ودام عليه وكان له محكمة في مدينة خريبقة كبيرة تصلح لزاوية وأهداها للفقراء على يد شيخنا وقال له القائد لكن نفاصل فيها النّاس يوم الأحد لأنّ الأحد يبقوا هناك إلى أن نبني مكان آخر فأذن له بشروط رضي الله عنه ومن ذلك أن لا تكون الخصومة فيها والآداب الكثيرة فقبل رضي الله عنه.

قال رضي الله عنه مضى بعض الأيّام بين أيدينا إلى برّشيد في الدّار الّتي بها القائد وﭐجتمع عليه الفقراء وقالوا له نحبّ الزّاوية وقال لهم حبّا وكرامة ونظر إلى مكان مبني لم يكن له سقفا وهي ثلاثة صفوف كانت جامع قال لهم هنا إن شاء الله نبنيها لمّا أحسّ به القائد بعث إليه ليتناول العشاء معه فمضى إليه لمّا دخل إلى ______ ووقف القائد في الباب بعد أن سلّم عليه قال له ﭐدخل ولم يستطع بالهيبة منه رضي الله عنه وتكلّم معه في شأن الزّاوية فأنعم إليه القائد حذو ذاك الجامع المذكور فقبله ورجع رضي الله عنه بعد ما لقّن له 55 من صلاة الفاتح يقرأها لأنّه لم يكن فقيرا لمّا وصل إلى داره رضي الله عنه بقي بعض الأيّام لمّا أصبح الصّباح قال لنا الليلة أتاني الجامع الّذي في القصبة المذكورة هو بنفسه قال لي يا سيدي لا تمنعني من الذّكر أنا الجامع ذَرْبِ والزّاوية ذرب لأنّها كانوا أهل القصبة ومن جاء إلى عند القائد يربطون فيها حميرهم وبغالهم وأهمله لأنّه بنيان بلا سقف مدّة طويلة لمّا حكا لنا المقالة ودخل علينا بعض الفقراء من برّشيد بعث إليه رضي الله عنه ومضى إليهم ولمّا وصل وفي اللّيل بعث إليه القائد وذكر معه في الزّاوية وقال له شيخنا نريد أن تكون في الجامع الّذي كان مهملا قال له مرحبا وقال له شيخنا لا بدّ له أن تكتبه لنا بالعدول وكتبه وأعطاه حجّة الملكيّة وقال فيه أنا لا أتكلّم فيه والأمر فيها للفقيه إلى قيام السّاعة وقال له رضي الله عنه وأين المعاونة أيضا ودفع ما دفع وقال عند اِنتهاء البناء نفرشها بالزّرابي وبُنيت وجلّزوها وفيها ديار والمحاضة كالمدن وكانت تلك الجهة (القبلة) كلّها الماء فيها غارق في الأرض أو أكثر كلّها لما بدؤوا في حفر البئر في مراح الزّاوية ولم يحفروا أكثر من عشرة أذرع وخرج الماء ببركاته وتعجّبوا وفرحوا وصار أهل القصبة كلّهم يسقون من ذلك البئر وعمّروا الزّاوية أخذ أغلبهم الطّريقة وقبل أولادهم رضي الله عنه وعنهم أجمعين.

قال رضي الله عنه في بعض الأعياد المولديّة كنّا نقرأ الهمزيّة في داره وقال لنا رضي الله عنه في هذا اليوم تصافح معكم سيدي عبد الله الحرسيفي وهو مدفون في تلك البلدة في القبّة حذو الزّاوية ويقول سيدي عبد الله يسلّم عليكم وعمل معاكم المصافحة كلّكم ويقول شيخنا إنّ سيدي عبد الله من الأبدال مرارا بعد مرار رضي الله عنهم وقال رضي الله عنه سيدفن في قبّته سبعة من النّاس وفي هذه السّاعة فيها أبناءه وﭐسمهما سيّدنا الحسن وسيّدنا الحسين أبناء العارفة سيّدتنا وأمّنا للاّ زهرة رضي الله عنها لمّا ولدتهم في يوم واحد وبقوا في الدّنيا سبعة أيّام وفي اليوم السّابع دفنهم على رأس قبر سيدي عبد الله في القبّة ولم يبيّن قبورهم وسوّاهم مع الأرض رضي الله عنه.

قال رضي الله عنه أتاني شيطان في المنزل في المنزل الّذي كان سيدي عبد الله ساكن فيه ودخل عليّ وأنا لا أبالي به وقال لي مالك دائما تلعنني دائما في المجلس؟ قال له ما لعنتك وإنّما الإخبار قال له اللّعين الإخبار قال له رضي الله عنه نعم الإخبار أي إخبارا فقط فإنّ الله هو الّذي لعنه وليس نحن نلعنه وذهب عنه وقال رضي الله عنه طلبت الله تعالى في بعض الأيّام أن يريني شيطاني فرأيته واقف في جنبي ضعيف أصفر اللّون ضعيف رقيق ولم يبقى فيه الشّيء الضّعيف.

قال رضي الله عنه كلّ من رآني يوم الاثنين ويوم الجمعة حرّم الله جسده على النّار وقال مرارا كلّ من صلّى ورائي صلاة الصّبح حرّم الله جسده على النّار وقال رضي الله عنه كلّ من صلّى ورائي حرّم الله جسده على النّار قال له بعض الفقراء وإن رأوك اليهود والنّصارى في تلك الأيّام حتّى هما قال لهم حتّى هما أحصر أنت الفضل « ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» وقال أيضا « والله عل كلّ شيء قدير » رضي الله عنه، قال رضي الله عنه أنظر إلى الفقير إذا أتى إلى حضرتي ولو أتاني من السّودان وأنظر إليه حين خرج من داره وقصدني وعرفته وعرفت ﭐسمه وﭐسم أبيه وأمّه وعرفت مراده الّذي أتى به عندي وأراه كمثل القطار في السير إِليَّ وينهض العجاج وإذا وصل إليّ أقول له ما ﭐسمك؟ ومن أيّ قبيلة أتيت كأننّي لا أرفه وما مرادك؟ رضي الله عنه وعن أشياخنا آمين.

قال رضي الله عنه نظرت مرّة في ميزان الآخرة وقطعت قطعة من الورق الأخضر ورميتها في الكفّة وهزّت واحدة وهبطت واحدة وسمعتها حين ﭐنتهت قال هْذْرِيَ وقال رضي الله عنه إنّي أنظر في النّاس وعرفت فيهم السّعيد والشّقي ولا أقول لهم وأنظر إليهم حتّى في السّير منهم من مشى إلى النّار ومنهم من مشى إلى الجنّة ولا نقول لهم شيء رضي الله عنه.

قال رضي الله عنه لا يأكل أحد ولا يشرب ولا يتحرّك ولا ينطق في السّموات ولا في الأرض والبحار إلاّ بإذني سواء دقَّ أو جلَّ ولا يتنفّس أحد إلاّ بإذني رضي الله عنه.

قال رضي الله عنه مرّة كنت أصلّي وذابت الدّنيا تحتي وصارت كلّها ماء ولا أرى أيّ مكان أسجد فيه وما صلّيتُ إلاّ بالمشقّة رضي الله عنه.

قال رضي الله عنه أرى الدّنيا كقبّة مولاي إدريس وأنا فوقها وقال رضي الله عنه الدّنيا عندي على قدر نقطة الباء في وسط الكفّ.

قال رضي الله عنه إذا وقع ونزل وذهب العلماء كلّهم وذَهَبْتْ جميع الكتب وأُحرقت أو رُميَ بها في البحر أُحييهم كلّهم من تلقاء باطني كلّهم الأحاديث والقرآن والجميع والحمد لله رضي الله عنه.

قال رضي الله عنه لا يأكل أحد ولا يشرب إلاّ إذا أعطيته له بيدي قال رضي الله عنه تحدّثا وتعرّفا.

وأمّا الزّوايا الّتي بناها رضي الله عنه والّتي أتذكّرها إلى الآن بنا زاوية في الدرب بو عزّة ثمّ بنا زاوية أخرى في الخمدش ثمّ بنا رضي الله عنه زاوية في أولاد سي جابر ثمّ بنا زاوية في أولاد الحرث ثمّ بنا زاوية عند سي عَامر ثمّ بنا زاوية في الملاح مزاب أنا الّذي أسّستها بإذنه وفيها صفّان ومن جملة إشاراته رضي الله عنه لي فيها قال لي ﭐبنها إلى أن تصل إلى السّقف يجعل الله خيرا والأمر كذلك بنيت إلى أن وصلت إلى السّقف وقع لي بعض ما وقع وتركتها.

وبنا رضي الله عنه زاوية في قصبة بني حمد وبنا رضي الله عنه زاوية في مدينة خريبقة وذلك كلّه في الخزازرة في الشّاوية وبنا زاوية في قصبة القايد برّشيد وبنا زاوية أخرى في الخميسات وبنا زاوية في درب غلف ومع الجامع الكبير بإذنه في الدّار البيضاء وبنا بإذنه زاوية في درب سلطان في الدّار البيضاء وتركته رضي الله عنه مازالت همّته العالية مصروفة في بنيان الزّوايا وهذا كلّه في الشّاوية.

وأمّا الّذين أتذكّره إلى الآن من الّذين قدّمهم وأجازهم في الطّريقة رضي الله عنه العارف بالله النّاسك الشّريف بعدما كتب له بعض الرّسائل ومضمنها بأنّه ______ منه التقديم سيدي محمّد بن علي تزروالتي وهو الآن في الدّار البيضاء وهو عالم جليل إمام الزّاوية التّيجانيّة في درب قناوة ما أحلاه حزمه ويقينه رضي الله عنه. ومنهم سيدي محمّد امْلِ مقدّم جليل السّوسي ومنهم العارف بالله الوليّ الصّالح الورع العالم سيدي علي أبو عبد الله المجوطي من بنا تحت الجدار ومنهم العارف الوليّ الصّالح البالغ في بحور الشّعر ما بلغ العالم سيدي محمّد (بوزقرْ) امْلِ به عُرف ولقّن له بعض الكيفيّات في إسم الله العظيم وله رضي الله عنه قصيدة عجيبة على شيخنا سيدي الحاج الأحسن وهي عشرة أبيات وردّ عليه شيخنا رضي الله عنه ومن جملة ما قاله شيخنا :

تأتي الملوك وأنت تاجُ عزِّهمُ    أقلام حق لسان الخلق منبسطَا

وقال ما ضرَّ عثمان ما فعل بعد اليوم الخ.

ومنهم الأديب العالم سيدي محمّد بن الطيّب الحوزي ومنهم سيدي محمّد بن الحاج حوزي ومنهم اِثنان أو ثلاثة من السّودانيين الّذين سكنوا في المدينة المنوّرة على نبيّنا أزكى الصّلاة والتّسليم.

ومنهم العبد الجاني أجازني إجازة تقييديّة وفي جميع أسرار الطّريقة وفي جميع ما ثبت عن الشّيخ محمّد اِبن إبراهيم القماري.

ومنهم بعض العلماء في إقض يقال له سيدي عمّار ومنهم الشّريف النقيّ الزكيّ العالم العارف سيدي المصطفى القصر وهو من خاصّة خاصّته رضي الله عنه ومنهم الزّاهد الوارع ذو الأخلاق السّامية سيدي أحمد بن بلقاسم ______ القابسي التّونسي من المفتوحين عليه على يديه رضي الله عنه ومنهم الشّريف سيدي عبد القادر الجبل عالم جليل رضي الله عنهم أجمعين وغيرهم كثيرون.

ويليه إن شاء الله مناقب اِبنه الطّاهر الّذي سبقت له العناية والحفاضة والحفظ والأخلاق المرضيّة ومع ذلك في صغره رضي الله عنه سيّدنا وحبيبنا وأخينا سيدي محمّد الحبيب نجل شيخنا سيدي الحاج الأحسن اِبن محمّد اِبن أبي جماعة البعقيلي الشريف التجاني قال رضي الله عنه أتى هاتف إلى أمّه الشّريفة العارفة بالله أمّنا وسيّدتنا زهرة وكان رضي الله عنه إذا ذكر أزواجه يقول هي أكثر منّي معرفة أتى هاتف إليها رضي الله عنها وقال لها إنّك حامل بِوَليٍّ أكبر من أولياء الدّنيا لمّا وضعت حملها ووضعت ذكرا وسمّته بهذا الاسم سيدي محمّد الحبيب وفي حالة صغره حين يمشي رضي الله عنه إذا مشى في الطّريق لا يلتفت إلى ورائه وإذا وقع وﭐلتفت يلتفت بجميع أعضائه كأخلاقه صلّى الله عليه وسلّم وكان الصّبيان إذا لعبوا وهو ينظر إليهم ولا يلعب لمّا قرب عمره خمس سنين أتى به أبيه إلى الجامع وأنا المدرّس فيه عنده وأُعلِّم الصّبيان والصبيّات لمّا أتى به قال له لا أمشي قال له لماذا قال له الصبيّ حتّى أطلب منك أنا ذلك وتركه رضي الله عنه اِستغرابا من كلامه الّذي خرج منه وهو صغير وأسأله ولم يتفكره إلى أن أتاه الصبيّ في بعض الأيّام وقال له يا أبي حبيب هذا هو الفقيه قال له شيخنا نعم قال له اِذهب ِبي إلى الجامع وأتى به إلى عندي في الجامع وحسب رضي الله عنه أيّام عمره ووجدهم خمس سنين بالضّبط وصرت أُعلّمه الحروف عندي بدأ ولله الحمد وله المنّة ولا أفارقه ولا يفرق معي إلاّ في اللّيل وإذا رآني في وسط الفقراء ولو كانوا مائة أو أكثر لا يجلس إلاّ إذا نظر إليهم جميعا حتّى ينظر إليَّ ويتعرّض له الفقراء ويمتثل وبعد ذلك يأتيني ويجلس في حجري لله الحمد وإذا أتيت به إلى عند بعض الفقراء في وقت الاستراحة وأدخل عنده في الدكّان ويذهب ذاك الفقير ليفطر في دار صهره أو ليقضي بعض المآرب وإذا مشى أقول له يا سيدي محمّد نأخذ شيء من الحلوى وشيء من السكّر ونذهب به إلى الجامع ويقول لي إنّه ليس لنا وأقول له الفقير ذهب لم ينظر إلينا ويقول لي والربّ ينظر إلينا مرارا بعد مرار وإذا رميت يدي على شيء لآخذه تجربة له وإذا به يبكي ويصيح مرارا رضي الله عنه ومع ذلك في عمره خمسة سنين.

صدقوا لمّا قالوا الأنبياء معصومون والأولياء محفوظون رضوان الله عليهم أجمعين. كان شيخنا رضي الله عنه أمر الفقراء بالنّزهة في وقت الرّبيع عند خروج مارس أو أفريل ______حذو قصبة به حدَّة وبقينا فيه بضع أيّام وفيها إبنه المذكور ولا يجلس عند أحد إلاّ عندي وإذا لم آت يجلس عند بعضهم أو عند أبيه وإذا دخلتُ يأتي إلى عندي بأدب وإذا بفقير أتى إليه ببعض النُّقود وأعطاه إليه والدراهم يحبّهم كلّ من رآهم حتّى الصّبيان وقال لي ذاك الفقير سرّا إن كان طمّاعا فإنّه يأخذه من يدي وإن لا فلا يأخذه وكان كلَّ ما أعطيته له يأخذه حلوى والدّراهم أو غيره ولا يقهر أحدا ولمّا أعطاه وهو في حجري قال له لا أحبّه قال له الفقير لماذا يا سيّدي محمّد هذه النّقود مزركشة وصار يُحبِّبُه له ويقول له لا لا ولمّا ألحّ عليه في الكلام قال له إبن شيخنا إن لم ترجعه فإنّني أرميه وقال له الفقير أرميه ويزعم ذاك الفقير أنّه لن يرميه ورماه رضي الله عنه وضاع في وسط الزّرع وإذا أراد أن يقضي حاجته ويقول لي اِذهب بي إلي قضاء الحاجة ولا يقبل أحد غيري وأذهب به حتّى يقضي حاجته وأمسح له مخرجه الطّاهر رضي الله عنه والله أفتخر بذلك ولله الحمد وفي بعض الأيّام في الحرث كانت _____ عند شيخنا في الحرث وﭐبنه عند شراب الشاي جالس في حجري وقال رضي الله عنه قال لي سيدي العربي بن السّايح اِجعل له علامة ليعرفوه به حتّى الصّبيان رضي الله عنهم أجمعين وحفظ رضي الله عنه القرآن في أقلّ من إثني عشرة سنة ووقت ولادته عام أربعين في القرن أربعة عشر وثلاث مائة وألف وفي عام أربعين أُعطيت القُطبانيّة لأبيه شيخنا رضي الله عنه وهي كرامة لإبنه المذكور لأنّه ولد في أربعين من ذاك القرن (1340) رضوان الله عليهم أجمعين وأُلَخِّصُ قائلا بأنّ أخلاقه في شعره ما يفرد به العاقل ونطلب الله جلّ وعلا أن يحفظ بهما هذه الأمّة المحمّديّة دنيا وأُخرى وﭐجعل لنا فيهم البركات وﭐرزقنا محبّتهم وﭐجعلنا من خاصّة خاصّة أحبّائهم وبحرمتهم سألناك يا الله أن تقضي لنا جميع الحوائج بكلّ خير وأن تجازيهم عنّا كلّ خير آمين يا ربّ العالمين.

وأمّا ما سمعت منه رضي الله عنه في بعض أصحابه منهم الفقير الضّرير العارف بالله سيدي أحمد بن العربي قال له رضي الله عنه أنت بابي وقال له رضي الله عنه أنت من العارفين بالله ويتسرّى معه في أمور داره وغيره وأنا معهم ولله الحمد قال له العارف بالله أحمد رضي الله عنه إنّ فلان كان يذكر اِسم الله العظيم سبع مرّات في كلّ يوم وأمّا أنت كم تذكر في كلّ مرّة قال له شيخنا رضي الله عنه وأنا دائما أتلو اسم الله العظيم الأعظم قياما وقعودا وفي الصّلاة (…) رضي الله عنه قال له (…) بلا عدد التّلاوة رضي الله عنه قال لي مرارا رضي الله عنه أنا كُلّي الإسم أنا هو عين الإسم وتذاكر معه في رؤية النّبي صلّى الله عليه وسلّم قال له وإنّه سمع منه مرارا بعد مرار قال له أَعطوني الملائكة ذاته صلّى الله عليه وسلّم في الماء وشربتها وصارت لي دما ولحما وشحما وعظما من لم ينظر إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في عالم الأرواح وفي أصلاب أبناء آدم صلبا بعد صلب وفي غزواته وفي جميع تقلّباته حتّى في بيت أمّنا عائشة رضي الله عنها (…) وفي كلّ لحظة وفي كلّ نفس وفي كلّ وقت وصلاته صلاة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وجميع حركاته من لم يكن مثل هذا وينظر لم يُسمّى رجلا نفعنا الله ببركاته آمين يا ربّ العالمين، وشهدت من هذا الفقير الضّرير في بعض اللّيالي أنّه لم يقم قبل الفجر لأنّه كانت عادته يقوم قبل الفجر بساعتان أو ثلاثة دائما وهو كثير العبادات وإذا به في بعض اللّيالي سمعني أذّنت لصلاة الصّبح لمّا نزلت وإذا به أتى قال لي آتني بالماء وكان يلهث بقوّة حتّى أفزعني ما رأيت منه قلت له مالّذي بك قال لي إنّي لم أقم في هذه اللّيلة قبل الصّبح وصار عندي كأنّه ذهبت عنّي الدّنيا بأسرها رضي الله عنه وهي أعظم الكرامات له وكلامه عند سائر الفقراء والعلماء والقياد مسموع ببركات شيخنا رضي الله عنه ويعظ الفقراء ويعجز العلماء من كلامه ولا يقول قال فلان إلاّ إذا قال وهو في الكتاب الفلاني ولا يقدر أحد من العلماء أن يعجزه ومع ذلك أمّيّ ومفقود العينين رضي الله عنه وكان يُحبّني رضي الله عنه محبّة خاصّة وأنا كذلك ولله الحمد.

وأمّا تلميذه رضي الله عنه كان يقرأ عنده العلوم وهو العارف الوارع العالم سيدي مصطفى القصري مدينة قال في حقّه المرأة إذا أرادت أن تلد ولا تلد مثل سي مصطفى وإلاّ فلا وسمعت هذا من بعض الحجّامين له رضي الله عنه وقال في بعض الأيّام أكثر ما أطلب الله عزّ وجلّ بأن يفتح على سيدي مصطفى المذكور وكان رضي الله عنه يحبّه محبّة خاصّة وفي بعض الأيّام أمره أن يذهب إلى فاس ويقرأ فيها وأعطاه التّقديم وهو مذكور أوّلا وهو باق إلى الآن بفاس رضي الله عنه وكان يحبّني وأحبّه ويقول لي لا مال مقسوم ولا سرّ مكتوم لله درّه آمين عام 1354.

ومنهم الفقيه سيدي أحمد بن بلقاسم التونسي القابسي وهو من المفتوحين عليه.

قال في حقّي ولا فخر مرارا بعد مرار حتّى قاله في المجلس وأنا فيه حينئذ إنّ سيدي محمّد أقمار من أولياء الله تعالى وقال أيضا لبعض أهل الزّوايا وهو زاوية أولاد بوعزّة في مزاب الشّاوية في وسطهم وأنا معهم لا تجدوا مثله ولو مشيتم إلى فاس سببه أنّ بعضهم لم يحبّني والفقراء يحبّونني وما طلعت إلى تلك الزّاوية إلاّ بإذنه رضي الله عنه لمّا طلعت إليها فتح عليّ ببركاته وذلك في العشر الأوائل من الرّبيع الأوّل النّبوي عام 1344 لله الحمد وأَذِنَ لي في الدّلالة على الله وسار القبول في موعظتي وكلّ من كلّمته ووعظته اِتّبعني ببركاته وكلّ من أتاني أرى نوره قبل أن أراه منهم من كان خيالا ومنهم من كان أخضر ومنهم من كان كنور القمر أو ما أشبهه ومنهم من كان أقوى من نور الشّمس وصفته يأتيني ذاك النّور حتّى يجلس بين يديّ وما في الوظيفة والصّلوات الخمس كثير لا يدخل عليَّ فقير إلاّ ويأتيني روحانيّة الشّيخ قبله رضي الله عنه.

وكان سرّي يخبرني ولا ينطق أحد إلاّ وتعرّضت له غالبا ولو كان عالما لأنّ الحقائق في كلّ كلمة يتبيّن لي ما لا يعدّ ولا يحصى من الحقائق وكنت إذا أقسمت على شيء له جلّ وعلا إلاّ وقع لا محالة وكلّ من دعوت له ووقع في الحين ما نطقت له به وكان بصري وبصيرتي إذا نظرت إليهما إلى جهة الكعبة ويتعرّض لي كثير من النّور ولا خرقت ذلك النور البتّة وطلبت من الله أن لا يهلك أحدا بإذني بعد ما وقع لبعض الناس ما وقع منّي وكثير ذلك باق إلى الآن ولله الحمد وذلك أن كثرة الصّلاة عليه صلّى الله عليه وسلّم يكثر لأنّ القلب مفتوح لله الحمد وأحسّ بقلبي في الذّكر يدور كالرّحى حين يطحن رأيته صلّى الله عليه وسلّم ليلة الإثنين عام 1350 في مدينة تونس رأيت قبر سيّدنا عيسى عليه السّلام وصار القبر ينطق كلّه ولا أرى اليد ودعى لي بالبركات وأسمع في السّماء الدّعاء مثل ذلك ومع ذلك مرفوعا صلّى الله عليه وسلّم وذاك المكان مملوء بالأرواح رأيته صلّى الله عليه وسلّم أبينا وسيّدنا إبراهيم عليه وعلى جميع الأنبياء أزكى السّلام وذلك في ليلة الإثنين الموافق السّادس يوم من شهر الله ذي الحجّة عام 1353 وصفته الّتي رأيته فيها سيّدنا إبراهيم وهو شايب وله لحية كبيرة وكثرتها شيبة أو كلّها وهو رجل متوسّط مُشْرَبٌ بحمرة وذلك تصوّر لي أنا في مكّة المشرّفة وأمشي بين الصّفا والمروة ولم أشعر حتّى وقعت فوق بعض الجبال وها اِمرأتان مقبلتان إلى عندي ويطّلعان إلى الجبل وأظنّ واحدة منهما أمّنا فاطمة الزّهراء وكأنّها قالت لي ها هو سيّدنا إبراهيم عليه السّلام وأتى مقبلا إلى عندي لمّا قرب إليّ أتوه النّاس أفواجا لينظروه وهرب منهم وﭐتّبعوه ووصلوه وأنا أنظر حتّى وصلوه وهم لم ينظروا إليه ورأيت كلّ النّاس عرايا ولا فروج لهم ونظري على ذاته حتّى اِستيقظت صلّى الله عليه وسلّم وأمّا الطّواف ومع مناسك الحجّ كثير قد طفت بالكعبة مرّة ونظرت ساقية ماء خارجة من تحتها وذاك الماء وسخ حتّى لا يستطيع الإنسان أن ينظر إليها وهي تحت الأرض وعرفت أنّه قد غُفر لي حقّا وطفت بها مرّة أخرى ووقع منّي عرق كثير حتّى أفاقني ذاك العرق من نومي وله رائحة شينة لمّا أفقت ووجدت ذاتي كذلك عارقة مملوءة بالعرق حتّى لم أستطع أن أشمّ رائحتها وما ذهب منّي حتّى ﭐغتسلت والحمد لله وذلك في عام 1353 في ذي الحجّة أوّلها وسجّلها محمّد بن إبراهيم بن الطّيب البعقيلي التّيجاني في 6 يوما شهر الله ذي الحجّة الحرام عام 1353.

رأيته صلّى الله عليه وسلّم في قبره ومعه أبو بكر وعمر يتحرّكان في قبرهما وذلك في أواخر شعبان 1384 ثمّ رأيت النّبي والخلفاء جالسين على الكراسي في أواخر شعبان المذكور.

رأيت فيما يرى النّائم في ليلة الإثنين الموافق 27 ذي الحجّة عام 1353 وكان ما رأيته هو صلّى الله عليه وسلّم قال لي ولد الشّيخ التّيجاني رضي الله عنه يوم الجمعة أو قال لي يوم الخميس وهو يوم عظيم وكـرّرها صلى الله عليه وسلم وشرعت في الوظيفة بعد عصر اليوم المذكور وﭐستيقظت في الإستغفار اللّهم ﭐغفر لنا ولجميع المسلمين آمين يا ربّ العالمين ثمّ رأيته صلى الله عليه وسلّم في أواخر رجب فجر يوم الإربعاء عام 1375 فمرّغت فمي وخدودي على جبهته الشريفة بالجهد وقال اللّهم نجّـنا من نار الدّنيا والآخرة لأولادي وأولاد أولادي ولجميع المسلمين والحمد لله رب العالمين.

ومن جملة ما رأيت بالكشف قبل أن أعرف ما تـقدّم من الأسماء وما تأخر رأيت اِسمه الله هو أب الأسماء ويمدّ لاِسمه الربّ من غير تعلّم بل بالكشف.

ومن جملة ما رأيت أيضا بالكشف من غير تعلّـم ببركاته رضي الله عنه آمين وذلك كـلّه عام 1344 إلاّ أنه مكتوم لا يقال ذلك.

وقد رآها أخانا السيّـد علي بن محمد بن سعيد الرسموكي في المنام على الوصف الذّي رأيتها فيه ليلة القدر وذلك في عام 1375 هـ في المنام في مدينة تـونـس وقـصّها عليَّ سترى إن شاء الله إنّـي رأيت ليلة القدر في مسجد أولاد العربي بلمنصور في المذاكرة في الشّاوية وهي ليلة الجمعة الموافقة للسّابع والعشرين من رمضان المعظم عام 1342 هجري وتلك الـلّيلة صافية من غير ريح ولا سحاب يُشتَهي في مثل تلك الليلة الذّكــر والعبادة لما فيها من النّشاط وبينما أنا جالس ومستقبل القـلبة أتـلـو في خمسة وستّـيـن جوهرة الكمال وتأدبّـت فيها ما ﭐستطعت ولمّا أَشْرَفْتُ على إتمام العدد وَخَزَنيِ شيء في ظهري وﭐلـتـفـتّ إلى السّماء علي يميـني فإذا به مذلل حتى أنّـني ظننت أنه قريب منّي وذاك الذّي دنى مني من السّماء كـلّه ظلمة وفـُـتِحَـت تلك الظلمة وشُقَّـت السماء وأُضـيـئت الأرض بضوء قوي مقدار ما يقرأ فيه الإنسان فاتحة الكتاب بالتّـرتـيـل أو أقـلَّ منها قليلا وشعرت بفرح وﭐنشراح كثير ولله الحمد ولما أتممت العدد ودعوت بدعوات واحدة منها ﭐستجيب لي في القريب وسجّـلها محمد بن إبراهيم البعقيلي الجماري السّوسي التّيجاني طريقة ومن إطّـلع عليها عليه بها في ذلك اليوم وليكتم وأطلب من الله التوفيق آمين وذلك في النّصف الأخير من الـلّيل هذا جهدي لمن طلبها.

الحمد لله أنّي رأيت فيما يرى النّائم في ليلة الثّالث عشر من ذو القعدة الحرام سنة 1356 رأيت رجلا يقال له القائد محمّد ولم أعرف ذلك القائد هيهات هيهات أن يكون ذلك قائد بل هو قائد الأمّة والأمم صلّى الله عليه وسلّم لما رأيت منه من الهيبة والجلال والأنوار وذلك الرجل على صفـته الّتي كان عليها صلّى الله عليه وسلّم في دار الدّنـيا والله أعلم ووقع بصري فيه بالهيبة والوقار ومعه أناس كثيرون لمّا أراد أن يأتي تأهّـبوا له وأنا معهم كأنهم ساعدوه والحمد لله على ذلك محمد بن إبراهيم في تونس.

ثم أجازني رضي الله عنه وعن شيخنا وجميع أصحابه آمين إجازة بـتلـقـين الأوراد الاّزمة في الطّريقة التّجانية وجميع ما ثبت عن الشيخ رضي الله عنه أن أُلَـقِّـنَ لمن أراده والحمد لله على ذلك وتلك الإجازة أتـتـني على يد المقدم الخليفة سيد مصطفى القصري وأشار لي فيها بإشارة عالية لله الحمد حتّى قال لي سيّدي مصطفى لا تطلب بعد هذا الفضل العظيم وإنّي ما طلبت التقديم أبدا وذلك كتبها رضي الله عنه في أواخر صفر عام 1354 ثم أخبرني فيها بأنّ عمّي بابا سعيد بن طيب الجماري أجاز له في الطّريقة كإبنه الأبرّ سيّدي أحمد بن سعيد بن الطّيب رضي الله عنهم أجمعين والحمد لله رب العالمين.

ثم إني رأيت فيما يرى النّائم في أوّل أيّام جمادى الأوّل سنة 1354 عند الفجر في مدينة تونس كنت في تلك المدّة يغلب عليّ النّوم حتى يطلع الفجر فإذا بي أسمع قائلا يقول الصّلاة والسّلام عليك إلى آخرها وإذا بقائل زجرني وقال لي لماذا دائما تـتأخّر تقدّم وأغلب ظنّي أنه هو صلّى الله عليه وسلّم إلى آخرها.

الـلّهم وفّـقـنا إلى كلّ خير وأعنّا عليه آمين يا ربّ العالمين.

ترجمة سيدي الأحسن البعقيلي رضي الله عنه و أرضاه -مقتطفات من كتابات سيدي محمد الامزالي-

ولادته ونشأته

هو العلامة تاج المحققين وقدوة العارفين الفرد الغوث أبو علي الأحسن بن محمد ابن أبي جماعة الايكيضي البعقيلي الولتيتي ينتهي نسبه الشريف إلى سيدنا الحسن السبط بن سيدنا علي وسيدتنا فاطمة الزهراء رضي الله عنهم أجمعين . – الايكيضي – نسبة إلى قرية إيكيضي إحدى قرى بعقيلة سميت بذلك إضافة إلى جبل إيكيضي الذي قامت عليه . – البعقيلي – نسبة إلى قبيلة بعقيلة وهي فرع من مجموع قبائل اداولتيت المستوطنة في غرب الأطلس الصغير (بلاد جزولة) ولد الشيخ البعقيلي في مطلع القرن 14 الهجري وأبوه هو الولي الصالح سيدي محمد ابن محمد وأخبر سيدي الحسن أنه مر يوما بمحل دفنه بعد وفاته فخرج إليه وقال له { إجتهد واحفظ القرآن فإن الناس أرادوا فيك علوما كثيرة} . توفي رحمه الله وعمر صاحب الترجمة ثمان سنوات . أما أمه الشريفة العفيفة الذاكرة الناسكة السيدة عائشة فقد كانت فقيهة صالحة تكثر من الذكر وخصوصا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وكلمة الإخلاص فإنها أخبرت ولدها أنها كانت مواظبةعلى ما يقرب يوميا من سبعين ألف من الصلاة النبوية و تذكر من الهيللة عشرة آلاف وهذا قبل أن تتمسك بالطريقة التيجانية . وبسبب ذلك كانت كثيرة الرؤيا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرت إبنها أن رجلا أتاها وهذا في البداية ودخل عليها وهي تذكر فألقت عليها نقابها واستحيت منه فقرب منها وهي تبتعد منه وصار يكشف نقابها ويبتسم فعلمت أنه رسول الله صلى عليه وسلم . وكانت لها كرامات كثيرة وأحوال عجيبة .وهي أول من أخذ الطريقة عن ولدها الأستاذ بعد رجوعه من عند شيخه سيدي الحاج الحسين الإفراني والقصة طويلة وملخصها أنه لما رجع من عند الأستاذ الإفراني وقد لقنه الطريقة التيجانية وأذن له في إعطائها أتته أمه وطلبت منه أن يعطيها ما أتى به من عند السيد الحاج الحسين لفروني هكذا فضحك وقال لها الإفراني . فقال لم آت بشيء فقالت له بل أتيت بالطريقة التيجانية فإني رأيتك معه فهو يعطيها لك بمحضر النبي صلى الله عليه وسلم فقال صدقت . فاستعطفته وسألته بحقها عليه فقال يا أمي لا أقدر أن أعطيك فإذا أعطيتك الإذن فسأصير شيخك فستكون لي حقوق عليك فقالت لابد أن تعطيني ألست أمك وحقي عليك أن تعطيني فقال هناك شرط قالت وما هو قال أن تفارقي المرابطة لالة رقية * أمه من الرضاعة* فقالت لا أقدر أن أفارقها فقال هذا هو شرطي وهو الذي إشترطه علي سيدي الحاج الحسين الإفراني فلم تقبل وبعد أيام توفيت المرابطة المذكورة فلقن لأمه الطريقة وهي أول من أخذ عنه .

إختصار مراحل حياته

من الإمكان إختصار سيرته الذاتية في ثلاثة مراحل كبيرة وهي : – المرحلة الأولى من عــام 1306هـ إلى عام 1322 هـ وهي المرحلة الخاصة بحياته في جنوب المغرب وتجوله في ربوعه . – المرحلة الثانية من عــام 1323هـ إلى عام 1341 هـ وهي الخاصة بحياته في شمال المغرب من فاس إلى طنجة والقصر الكبير والنواحي – المرحلة الثالثة من عام 1341هـ إلى عام 1368هـ وهي مرحلة سكناه بالشاوية ومدينة الدار البيضاء المرحلة الأولى من عــام 1306ه إلى عام 1322 هـ – لما بلغ خمس سنين 1306هـ دفعه أبوه إلى الكتاب لتعلم مبادئ الكتابة ولحفظ القرآن فلم يكن ملتزما بالحضور في الكتاب – وفي الثامنة من عمره توفي أبوه و أجبره أخوته على ترك التعليم والإشتغال برعي الغنم فبقي يرعاه ست سنين . – لما بلغ 14 من عمره غادر قريته والتحق بقرية تاسيلة واستكمل هناك حفظ القرآن بعد صعوبة ومشقة . يقول رضي الله عنه = صعب عليّ حفظ القرآن فبكيت على الله يومين كاملين فأرسل إليّ أحد عشر ملكا على صورة غلمان فمسحوا على وجهي فمن ثم صار يظهر لي الحزب الذي أريد قراءته هو وإعرابه ووعده ووعيده وسره ومعناه وناسخه ومنسوخه ولله تمام الحمد . وفي هذا السن *14 سنة* وقعت له واقعة عظيمة تبشر بما سيصل إليه مستقبلا وما سيناله من خير عظيم مما يدل على ولايته وكبير خصوصيته . قال رضي الله عنه في رسالة إلى العارف الإيسيكي رضي الله عنه – فلتعلم سيادتكم أني عام 14 من عمري وقعت لي الفتوحات الكونية للأحوال الزهرية حتى كثرت علي رؤيا الطلعة النبوية سرايا سرايا على عدد سراياه من المدينة في حياته وأقبلت عليّ خوارق العادات من طي أرض كزيارة كعبة ومدينة منورة ونبع مياه وقتال مع أرواح وامتزاج معهم والإجتماع بالأموات والسكون بمخاطبتهم يقظة ومناما وجردت نفسي للوازم الدنيا رأسا مرتين ومن العلم أربعة عشر سنة بعد أن أكرمت بمشاهدة رسوم قرآنية في اللوح المحفوظ ومشاهدة حقائق الأحكام الشرعية بلا قراءة . وحاصله أن جميع ما سطر في أحوال الأولياء أسلفته قبل إعطاء العهد بالطريقة التيجانية ليترتب عليه عدم التشوف إلى ما هنالك بعدها . ثم قص رضي الله عنه رؤياه النبوية المشهورة والمذكورة في أول كتاب الشرب الصافي والتي تدل على ما يصير إليه أمره من كونه على قدم الرسول صلى الله عليه وسلم وأنه سينال الإمامة في الدعوة إلى الله وأن النبي صلى الله عليه وسلم سقاه بيديه الشريفتين من عين الشريعة ومن عين الطريقة ومن عين الحقيقة . وفي هذه المرحلة كان الأولياء الأحياء والأموات يحضونه على طلب العلم لأن الناس ينتظرون منه الكثير . – وفي سنة 1321هـ تمسك بالطريقة التيجانية بأوريكة على يد العلامة السيد الحاج علي المسفيوي رحمه الله . المرحلة الثانية من عــام 1323هـ إلى عام 1341 هـ ولما حصّل ما كتب له من العلم بسوس سافر إلى فاس والتحق بجامعة القرويين وكان نازلا بمدرسة الصفارين فبقي يتلقى العلم هناك طيلة 9 أشهر . – ثم سافر إلى الشراركة لتكميل تربية المقدم ابن سلطان ولتعليم أولاده بإذن من سيدنا الشيخ التيجاني رضي الله عنه . ومن الشراركة سافر إلى مدينة القصر الكبير وسكن بها وأحيا بها العلم ونشر المعرفة والطريقة التيجانية بالمدينة ونواحيها حتى شهدت المنطقة يقظة علمية لم تشهدها من قبل ولا من بعد . وغادر القصر الكبير ليسكن بمدينة زطات 8 أشهر يدرس بزاويتها ثم منها إلى قبيلة الخزازرة بالشاوية وهناك قام بنشاط كبير علما وطريقة . المرحلة الثالثة من عام 1341هـ إلى عام 1368هـ وفي سنة 1345هـ سافر إلى الحرمين الشريفين لأداء فريضة الحج وفي سنة 1348 هـ إنتقل إلى مدينة الدار البيضاء حيت سيقطن بها و يحط بها الرحال نهائيا مع أنه لم يتخل عن أسفاره وتفقده للقرى والمدن التي كلف بالسفر إليها. وفي سنة 1353هـ أنشأ مطبعته العربية التي طبع فيها كتبه وكتب غيره وساهم بها في نشر العلم والوعي وبنى بالدار البيضاء زوايا منها زاويته الكبيرة بدرب غلف وعمرها بالعلم والذكر واستقبال الزوار والخطبة يوم الجمعة وبقي على نشاطه إلى أن مرض عام 1367 هـ مرضا كابده طيلة سنة واشتد عليه شهرين قبل وفاته وكانت وفاته ليلة الجمعة عاشر شوال عام 1368هـ الموافق ل 1949 م على الساعة الثانية عشر وثلث ليلا وكان يوم جنازته يوما مشهودا حضره خلق لا يحصى من العلماء والمقدمين والفقراء والمحبين وغيرهم وتولى الصلاة عليه خليفته ووارث سره ولده العلامة سيدي محمد الحبيب رضي الله عنه ودفن بمقبرة طريق أولاد زيان. وتشاء القدرة الإلاهية أن ينتقل بعد وفاته ب50 سنة تقريبا فقد نقل بتلك المقبرة صبيحة يوم الخميس 25 محرم 1417هـ ليدفن بمقبرة الغفران فوجدوه كما هو لم يتغير منه شيء رضي الله عنه و صلى عليه إماما الشريف سيدي محمد الكبير التيجاني رضي الله عنه الخليفة العام للطريقة حاليا

في مجال العلم

أخذ صاحب الترجمة عن أساتذة مرموقين في البلاد السوسية وغيرها و كان كل واحد منهم من خيرة علماء وقته تشد له الرحال من كل ناحية أخد عنهم ما كتبه الله له ونهل من معارفهم رغم قصر المدة التي قضاها مع كل واحد منهم نسبيا .وأما علماء فاس الذين أخذ عنهم فلم يذكرهم أحد من مترجميه ولا شك أنه رضي الله عنه فاق هؤلاء السادة علما وعطاء وشهرة ويكفي دليلا على ذلك ما خلفه من آثار علمية مخطوطة ومطبوعة وهي كثيرة ومعروفة. وتفوقه رضي الله عنه أكبر لأنه علاوة على تلك العلوم الرسمية فقد أدرك علوما لدنية وهبية لا يدركها إلا أكابر العارفين . أدرك ذلك بفتح من الله وعناية منه سبحانه خارقين للعادة وليس عن مطالعة ـ كان لا يطالع الكتاب إلا إذا أراد أن يعرف درجة صاحبه ـ ولا بممارسة بل هذا من الخوارق الغريبة والعجيبة التي أكرمه الله بها . والسبب في ذلك نلخصه في النقط التالية – أولا ما تقدم لنا من أن سيد الوجود صلى الله عليه وسلم سقاه بيديه الشريفتين من عيون ثلاثة الشريعة والطريقة والحقيقة – ثانيا ضمن له سيدنا الشيخ أحمد التجاني رضي الله عنه الفتح لما أمره وهو بمدينة القصر بتعليم العلم النافع للطلبة . – ثالثا لأجل ذلك أمر سيدنا الشيخ أحمد التجاني رضي الله عنه خليفته سيدي الحاج علي حرازم برادة فكتب الإسم الأعظم في لوح وأمر صاحب الترجمة أن يلحسه فانفتحت له أبواب العلوم والفهوم . قال رضي الله عنه **..ورأيت نفسي كأن علماء العوالم كلها اجتمعت علي و أنا أتكلم بغرائب العلوم ستة أيام بلياليها من غير أن أقوم من مكاني فكلما قرّأت طائفة قامت وجاءت طائفة أخرى وهكذا بلا توقف وأنا لا آكل ولا أشرب وإنما أتكلم بالله فكلما كان الإنسان يتكلم بالله استطاع أن يتكلم عمر أنفاسه بلا انفصال ولا ملل . و لنعط الكلمة له رضي الله عنه ليخبرنا بما أنعم الله عليه في هذا المجال فإنه يقول رضي الله عنه ** قال لي سيدنا الشيخ أحمد التجاني رضي الله عنه – لو بقي هذا عمر الدنيا والآخرة يتكلم في معرفة الله ما عيا ولا عيي ولا نفد ما عنده من غير مطالعة ** . وقال صاحب الترجمة أيضا ** لو أن جميع العلماء انقرضوا وانقرضت جميع الكتب فإني أحييها وأمليها كلها من باطني قرآنا وحديثا وغيرهما **. وقال سيدي الحسن البعقيلي ** أفاض عليّ ربّ العزّة قوة نورانية في معاني القرآن على الفرض والتقدير لو أردت أن أستخرج من كل حرف من حروفه مائة ألف علم وخمسة وعشرين ألف علم لفعلت **. وقال ** إن الله أوقفني بين يديه حتى عرضت عليه حديث البخاري بتمامه ورأيت رب العزة بالمدينة المنورة فقرأت عليه القرآن حرفا بحرف كما وقع لأبي حنيفة **

في مجال الطريقة

1- تلقى الإذن في الطريقة أولا عن المقدم العلامة الأستاذ سيدي الحاج علي المسفيوي سنة 1321هـ . 2- ثم تلقى الإذن فيها وتقديم التلقين فقط عن القطب سيدي الحاج الحسين الافراني بعد مدة قليلة ثم أجازه إجازة مطلقة شفوية وقال له سر أنت خليفتي من بعدي . 3- وتلقى الإجازة المطلقة القولية عن المقدم سيدي عبد الله القشاش رحمه الله . 4- وتلقاها عن القطب الشريف سيدي محمود التجاني رضي الله عنه الذي كلفه بالإشراف على جميع الزوايا بالمغرب وعلى تصحيح الإجازات لمقدميها . 5- ثم تدبج أي تبادل الإجازة مع العارف بالله سيدي الحاج علي الأساكي رضي الله عنه كما في كتابه الإراءة 6- وحصل له ما هو أعلى من ذلك فقد أجازه سيدنا الشيخ أحمد التجاني رضي الله عنه الإجازة المطلقة وهي مضمن قوله أذن لنا رضي الله عنه في عالم الخيال ** أذنتك في طريقتي فقبلت صدره الشريف ثم قال لي أذنتك في طريقتي بنية الإسم الأعظم في جميع الأذكار منها ثم قال لي أنت رئيس العلماء وسيدهم وإمامهم ** . لقد فرح سيدي الحسن البعقيلي بهذه الطريقة التجانية التي ملأت كل آفاقه وأشبعت كل تطلعاته كما أحب هذا الشيخ العظيم سيدي أحمد التجاني الذي عطفه الله عليه عطفا خارقا ومنحه من المعارف والأسرار والأنوار ما لم يكن له بحسبان فتعلق به تعلقا متفانيا فصار متيما بحبه حتى بلغ به الحال إلى أن قــال ** إني أشهد الله وملائكته وكل مؤمن بأني بايعت هذا الشيخ سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه مبايعة تامة مطلقة شاملة عامة مستغرقة أنفاس الدنيا وأنفاس الآخرة على أن تكون ذاتي وصفاتي وحركاتي وسكناتي في محبته وطاعته ومتابعة طريقته حذو نعلي بنعل تصريحا وتلويحا . فهو أبي وأمي وأصلي وفرعي وسندي وعمدتي وحجتي وظاهري وباطني وأني ألقيت له القياد والعصا وحبست عليه عمري وعقلي وروحي وفكري فلا أفكر في غيره ولا أستمد قطرة من غيره فهو روحي وأصل سعادتي وإني أخذت عنه به لوجه ربي فالله يكرمني بقبوله وهمته وغيرته وعلمه آميـــن. فنطلب من الله أن يدخل كل من إنتسب لي في مسلكه من الأزواج والأولاد والأحباب فالله يقبلنا في حضرته . ثم إعلم أن المعبود هو الله فالشيخ يدل عليه فاسترحنا مما أتعبنا قبل الدخول في سلكه ظاهرا وإلا فنحن تلامذته في الأزل **. هذه هي المحبة وهذا هو التفاني الحقيقي والتعلق الصادق . ولهذا أدرك رضي الله عنه في حضرة سيدنا الشيخ أحمد التجاني رضي الله عنه ومنه وعنه مقامات عالية في طريقته التيجانية وأكرم بكرامات عظيمة ومناقب جسيمة

إجتهاده في خدمة الطريقة التجانية وتفانيه في نشرها ويظهر ذلك بما يلي

1- بالإشادة بصاحب الطريقة سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه ونشر محاسنه مناقبه وعلومه وخصائصه ونشر محاسن وخصائص طريقته وأهلها وما أكرمه الله به من فضله الواسع العميم وذلك في كل المحافل والتآليف والرسائل حيث ما حل وارتحل بشكل مستمر ومستفيض مما لم يسبقه إليه كثير من علماء الطريقة التجانية . 2- بذله الوسع والجهد في إرشاد أهل هذه الطريقة بالقلم واللسان وذلك بالإتصال المباشر بهم حضرا وسفرا فكان لا يتوانى ولا يأخذه العجز أن يتكبد المشاق ويواجه الصعاب في سبيل ذلك .فلا يكاد يستريح من سفر حتى يقوم بآخر فلم يكن يكل ولا يمل من كثرة الأسفار والتنقل في سبيل نشر تعاليم الطريقة وتصحيح مفاهيمها وبيان أحكامها وآدابها سواء في البوادي أو الحواضر وبكل الوسائل المتاحة . كما كان يكاتب المقدمين والفقراء بكل المناطق يرشدهم وينصحهم ويحرضهم على الإتباع وينهاهم عن الإبتداع ويبين لهم ما فيه رشادهم وصلاحهم ويجيبهم عن تساؤلات فيما يخص فقه الطريقة وغوامضها وييسر لهم وينير لهم سبل الترقية والتصفية والتزكية فيها حتى يصل إلى أوج المعرفة العيانية الصحيحة فيها ويدلهم على حب الله وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحب أمتهم وحب الشيخ التجاني رضي الله عنه وأصحابه وفقرائه لوجه الله لا لغرض فخلف لنا وللأجيال المقبلة بعدنا رصيدا هائلا من الرسائل التوجيهية النافعة وكما وافرا من النصائح مما يحتاج إلى من يعتني بجمعه لينتفع الإخوان كافة به. 3- ومن مساهماته في نشر الطريقة ما خلفه من مؤلفات في علوم الطريقة ومعارفها وبيان دقائق أذواقها وأسرار أحكامها كالإراءة والشرب الصافي وغيرهما 4- ومن نشره للطريقة كثرة الذين تخرجوا فيها على يده والذين يعدون بالآلاف سواء من تلقوا عنه التلقين والإجازة بالتقليد أو بالإطلاق وذكر هو بنفسه أن عدد المجازين من طرفه يفوق 1200 فردا . كما تخرج على يده العديد من أكابر العلماء والعارفين الذين إنتشروا في كل أنحاء المغرب وخارجه وجلهم بلغ درجة التربية الخاصة في الطريقة التجانية . 5- ومن مظاهر نشره للطريقة إنشاؤه لما يناهز 150 زاوية من شمال إلى جنوب المغرب وإشرافه عليها واعتنائه بها إصلاحا وترميما مع تفقدها من آونة إلى أخرى وتيسير مصاريفها ونفقاتها. و لقد نشط رضي الله عنه في هذه الميادين المذكورة نشاطا متواصلا لا يعرف الكلل ولا الملل مؤيدا بالعناية الإلاهية والمعونة الربانية مدفوعا بهمته العالية ومحبته المتفانية .

كرامتان لصاحب الترجمة

لا يمكن أن نتكلم عن صاحب الترجمة ومكانته في الطريقة التجانية وفي المعرفة الإلاهية وبساط الولاية الخاصة دون التعرض إلى ما أكرمه الله به في هذا النطاق من الكرامات والمناقب . وإذا كانت الكرامة هي الأمر الخارق للعادة فأمور سيدي الحاج الحسن البعقيلي وتصرفاته وشؤونه كلها خارقة للعادة فكله كرامة وكراماته لا حصر لها . وقد تقدم لنا أثناء إستعراض حوادث حياته الشيء الكثير منها وأكتفي بهذه العجالة بذكر كرامتين منها . الكرامة الأولى الإستقامة الإستقامة هي كمال متابعة النبي صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا حركة وسكونا حتى في أدق الأمور وهذا أوجها وأعلاها وهي بهذه الصفة أصعب المقامات عند الصوفية ولا يطيقها إلا أكابر الورثة المحمديين ولا يعرفها ويلتزم بها إلا الأقوياء من الخاصة العليا. ولقد كثرت عبارات القوم في تعريف الإستقامة ووصفها وذكر ثمراتها ومزاياها وخصائصها ونكتفي بهذا التعريف الجامع لتلك التعريفات الوارد في كتاب البغية لسيدي العربي بن السائح التجاني إذ يقول رضي الله عنه * وحاصلها أن تحفظ على العبد آداب الشريعة وأن يوفق لفعل مكارم الأخلاق واجتناب سفاسفها والمحافظة على أداء الواجبات في أوقاتها والمسارعة إلى الخيرات وطهارة القلب من كل صفة مذمومة وتحليته بالمراقبة مع الأنفاس ومراعاة حقوق الله تعالى في حق نفسه وفي الأشياء ومراعاة أنفاسها في دخولها وخروجها فيتلقاها بالأدب ويخرجها وعليه خلعة النور* وهذه النعوت والأوصاف تنطبق على صاحب الترجمة أتم انطباق وأكمله فمن تأمل سيرته وقرأ كتبه وعلم معاملته مع الله ومع خلقه رآها متجسدة فيه وعاين ما أكرمه الله به من كمال إتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا وعملا وحالا ظاهرا وباطنا . الكرامــــة الثانية هي البركة في العمر في كل الحركات وهذه كانت ظاهرة للعيان وهي من كراماته الباهرة التي ميزه الله بها بين الأقران . ويكفي للدلالة على ذلك ما قام به من أعمال مما يستغرق سنوات عمره أضعافا كثيرة . ويكفي أن نعطي مثالا على ذلك ما ألفه من تآليف وكتبه من كتابات علما وطريقة في سائر الموضوعات المعرفية وما أنشأه من رسائل وأجوبة وإجازات مما لو جمع ووزع على أيام حياته لوسعها وزاد عليها. ويزيد وضوحا لعظمة هذه الكرامة ما كان مشتغلا به من شؤونه الخاصة وشؤون عائلته الكبيرة وشؤون الزوايا التي كلف بها واستقباله للضيوف والزوار الوافدين عليه من كل حدب وصوب في كل الأوقات وطيلة السنة وفي كل المناسبات مع ما كان يقوم به من أسفار وتنقلات عبر الوطن هذا علاوة على عبادته وتكاليفها وتوجهاته وأذكاره ودروسه الخاصة والعامة . فالرجل كان كالساعة لا يتوقف إلا للنوم الذي كان لا يستغرق أكثر من ثلاث ساعات على الأكثر. فمن تأمل كل هذا رأى فيه ظاهرة خارقة وغير معتادة إمتاز بها مترجمنا رضي الله عنه وقضى العجب من نشاطه وحيويته فكل أوقاته مشغولة وكلها في طاعة الله وعبادته لا يخرج عن الحضرة الإلاهية عاكفا عليها بقلبه وكل جوارحه مع المحافظة على آدابها فلا يشغله وقت عن وقت ولا شغل عن شغل. ويدل كل هذا على إعانة الله له وعنايته به وتوفيقه له كما يدل على وراثته النبوية الخاصة التي هي النتيجة الحتمية للكرامة التي بدأنا بها وهي الإستقامة على النهج النّبويّ والسير المصطفويّ دائما وأبدا. وهناك كرامات أخرى لصاحب الترجمة شائعة وذائعة ككشفه وإخباره بالمغيبات وتصرفه في الثقلين وتسخيرها له وطي المسافات وطي الذكر عددا ووقتا وفيضان الخيرات والبركات الإلاهية ومحبة الخلق له إلى غير ذلك مما يطول ذكره

منـــــــاقبه

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله الفاتح الخاتم وعلى آله وصحبه وسلم . أما مناقبه رضي الله عنه فهي كثيرة أيضا نذكر منها أعظمها وهي مقامات الولاية العالية التي أخبر عن نفسه إدراكها تحدثا بنعمة الله تعالى . وقد كنا أشرنا إليها في المشاركات السابقة . 1- من ذلك إدراكه مقام الفردانية وذلك سنة 1335هـ تسلمها من المقدم الكبير العارف سيدي محمد ابن سلطان الشركي قبل وفاته . والفردانية هي أعلى مقامات الولاية الخاصة ليس فوقها إلا مقام القطبانية ورجالها يسمون بالأفراد خارجون عن حكم القطب وإن كانوا يستمدون منه وهم 114 على عدد سور القرآن وكل فرد منهم له سورة يستمد منها ويديم قراءتها ، ويسمون أيضا بمفاتيح الكنوز . ولهم خصائص يمتازون بها ويتميزون بها عن القطب كما له خصائص يتميز بها عنهم . ونقل المقدم الفطواكي عن سيدي الحاج الحسن البعقيلي أن المقدم ابن سلطان لما أراد أن يسلمه الفردانية وقع له حال ووجد ثم إرتمى على عنق سيدي الحاج البعقيلي وهو يبكي ويقول له ** سيدي حسن قد إنتهت مهمتي ، فهاك الأمانة بكمالها وأولادي في حجرك ** . -2 توصله بالخلافة ؛ قال رضي الله عنه ** أعطاني الله عكاز الخلافة في محضر جميع العوالم ولم يتكلم أحد ** وقال أيضا ** إجتمعت عليّ أرواح العوالم بأسرها فأذنت لها في الطريقة التجانية .** و أخبر أيضا أن الأولياء قاطبة إجتمعوا عليه وطلبوا منه أن يلقنهم طريقته الخاصة فقال لهم ** ليس لي طريقة خاصة إلا طريقة سيدي أحمد التجاني ** فطلبوا منه تلقينها لهم فامتنع حتى قبلوا الشروط فلقنهم … وقال أيضا ** توصلت بصندوق التصريف قبل القطبانية سنة 1336 هـ 3- توصله وحلوله بمقام القطبانية بمدينة القصر الكبير سنة 1340هـ وهذه تسمى بالقطبانية الإقليمية . ومنذ ذلك الحين لزمته الحمى الناتجة عن قوة المقام وشدة وقع التجليات . 4- أما القطبانية العظمى أو الغوثانية أو الغوثية فقد حل بها سنة 1346 هـ وهو في قصبة الخزازرة بقبيلة الشاوية . فطرأ عليه جلال لا يقاس واستوحش الناس فاعتزلهم 15 يوما لم يكلم فيها أحدا منهم . قال رضي الله عنه ** أخذت سلسلة القطبانية عن شيخي الحسين الإفراني عن الإمام الكنسوسي عن سيدي محمد الغالي بوطالب الفاسي عن القطب المكتوم سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه ** . وأخذت القطبانية العظمى عن شيخي الإفراني عن شيخه سيدي العربي بن السايح عن شيخه التماسيني عن شيخنا القطب المكتوم التجاني عن النبي صلى الله عليه وسلم عن جبرائيل عن ميكائيل عن عزرائيل عن إسرافيل عن رب العزة ** . والكلام عن هذا المقام وبيان أوصاف القطب وخصائصه وكل ما يتعلق به مما لا يسع المقام ذكره ؛ ومن أراد التفصيل فعليه بكتاب جواهر المعاني لسيدي علي حرازم برادة وكتاب بغية المستفيد لسيدي العربي ابن السائح وفوق هذا كلام لا يكتب ويأخذ من أفواه الرجال . ومما أخبر به رضي الله عنه أن الله جمع له بين مقام الفردانية والقطبانية وهذه وراثة ورثها عن سيدنا الشيخ سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه فهو الولي الوحيد الذي جمع الله له بين القطبانية العظمى والفردانية زيادة على مقامي الختمية والكتمية اللذين إنفرد بهما رضي الله عنه فإنه طلب ذلك من جده صلى الله عليه وسلم فأقره وقبل طلبه وضمن له إجتماع هاذين المقامين العظيمين اللذين ما فوقهما إلا مقام النبوة. ولقد كان صاحب الترجمة يفصح عن حلوله مقام القطبانية العظمى بذكره لما منحه الله من مظاهرها ومميزاتها وهذه بعض أقواله في ذلك ؛ – الدنيا عندي كنقطة الباء في وسط كفي – وسئل عن الخليفة الأكبر الذي يولي ويعزل وغوث الزمان فقال ليس من الشأن البيان فألح عليه السائل فقال أنا هو ولله الحمد فكل من أخذ عني فكأنما أخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا فخر . – وقال * قال سيدي إبراهيم المتبولي – أدركت من وراء العرش ستمائة عالم .وأقول على سبيل الكشف والذوق * أدركت من وراء المتبولي مائتي ألف عالم العرش وما في جوفه عالم واحد . – وقال كل من صلى ورائي حرم الله جسده على النّار . وكان من دعائه قبل الفجر ؛ اللّهمّ شفعني في أجزاء أرضك وفي أجزاء ملكك . – وكان من عادته أن يجدد الطريقة التجانية لكل من قبل شروطها في كل ليلة وقت السحر ، كما كان يجدد الإيمان في ذلك الوقت لكل أفراد الأمة ومما صرح به قوله رضي الله عنه ** حلف لي صلى الله عليه وسلم ؛ لا يوجد مثلك على وجه الأرض في هذا الزمان . والأقوال في هذا الشأن كثيرة . ومن نتائج حلوله رضي الله عنه في هذا المقام العالي الرفيع ما أكرمه الله به من رؤية مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقظة بل ورؤية رب العزة وحلوله بمقام التربية الخاصة والخلافة العظمى عن سيدنا ومولانا الشيخ سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه . وأود أن أختم موضوع مناقب هذا السيد الكريم بمنقبة جليلة وفريدة وخاصة وذلك بما كان يكلفه به سيدنا الشيخ التجاني رضي الله عنه بمهام ومهمات مما يمكن أن نسميه بسببها برجل المهمات الصعبة ؛ وهناك حكايات كثيرة في هذا الصدد نكتفي بذكر إثنتين منها ؛ – 1 منها تكليف سيدنا الشيخ التجاني له بتربية أو تكميل تربية أفراد من أصحابه . -2 ومن ذلك أنه مرة رضي الله عنه أمر ببغلته فسرجت فركبها ليأخذ الحافلة بالطريق الرئيسية وكانت بعيدة وهذا بالشاوية وصحب معه تلميذه سيدي محمد أكمار ليرجع بالدابة وفي الطريق أخبره أن الشيخ سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه أمره بالذهاب إلى فاس وقال له ** أدرك الشيخ النظيفي فقد إجتمعوا على قتله وأفتوا بذلك ** وذلك لما قاله في كتابه الطيب الفائح عن صلاة الفاتح أنها من كلام الله القديم . ولما وصل إلى الزاوية الكبرى بفاس جمع علماء الطريقة التجانية ومنهم من وقع على الفتوى وبين لهم الصواب والمعنى الصحيح في كلام العارف النظيفي حتى أقنعهم فتراجعوا وزرع في قلوبهم روح اليقين ورفع معنوياتهم المنهارة وأحيى حماسهم أمام تعصب علماء القرويين وما أثاروه من فتنة بفاس . وما لبث أن جاء جواب السلطان المولى يوسف يأمر علماء المجلس برفض قرارهم وإلغائه والتوقف عن متابعتهم للفقيه النظيفي والإمتناع عن مسه بأي أذى. وفي هذه الأزمة التي فتن بها أهل الطريقة التجانية ألف صاحب الترجمة تأليفه القيم النفيس * النفحة الربانية * ورسالة أخرى ينتصر فيها لأخيه في معرفة الله وفي الطريقة سيدي الحاج محمد النظيفي رضي الله عنه . كما قام علماء الطريقة وأدباؤها قومة واحدة ونافحوا عنه نثرا وشعرا في إنتفاضة واحدة أظهرت غيرتهم على الطريقة وصاحبها رضي الله عنه . -3 ومن المهمات الخاصة التي كلف بها صاحب الترجمة إغاثته للمقدم الكبير سيدي الحاج الطيب السفياني الذي ظل مقدما بالزاوية التجانية الكبرى بفاس لمدة أربعين سنة حتى توفي عــام 1357 هـ وهو حفيد سيدي الطيب السفياني صاحب الشيخ وصاحب كتاب الإفادة الأحمدية ؛ فإن سيدي الحسن البعقيلي في زيارة له إلى ضريح الشيخ التجاني بفاس إستضافه صديقه وأخوه في السند والإجازة * فقد أخذ أيضا الإجازة في الطريقة التجانية عن شيخ سيدي الحسن البعقيلي سيدي الحسين الإفراني * سيدي الطيب السفياني ليتناول معه طعام العشاء بداره ويبيت عنده كما هي عادته معه كلما زار الزاوية الكبرى بفاس . ولاحظ الفقيه البعقيلي من حالة المقدم السفياني ما يدل عن إنشغاله بمشكل مهم فسأله فأخبره أنه في هم وكرب يتعلق بأهل بيته ولا يجد له حلا ولا يستطيع أن يفصح عنه لأحد إلا له هو ، وبعد أن أخبره به قال له سيدي الحسن البعقيلي ؛ أخبرني يا سيدي ماذا تذكر في هذه الأيام . فأجابه سيدي السفياني أذكر إسما أعطاه لي بعض الخاصة من إفريقيا فقال له سيدي البعقيلي وما هو فأخبره به ، فقال له هذا هو سبب عطبك أتدري لماذا ؟لأنك أسأت الأدب مع سيدنا الشيخ التجاني رضي الله عنه فإنه أقامك في هذا المنصب العظيم عند ضريحه الشريف وفي زاويته الأم فكل أصحاب سيدنا وغيرهم من العارفين يقصدون هذا المقام لكل ما يلم بهم ولكل ما يرجون بلوغه من المطالب والمقامات العالية وحل المشاكل العويصة المستعصية فيجدون الدواء النافع و قضاء أوطارهم لأن هذا المقام هو منبع الفيوضات والرحمات للعالمين. وهذا هو المنهل الصافي الذي يرتوي منه الجميع. فأنت جعلك سيدنا الشيخ هنا نائبا عنه ليأخذ عنك كل من أتى إلى هذا المقام لا لتأخذ أنت عن أحد فقد أغناك الشيخ رضي الله عنه بأن جعلك عند قبره وفي مقره فلا يليق بك أن تلتفت عنه لغيره. ولقد تسببت في الهلاك لذلك السيد الذي أعطاك ذلك السر لأنه إذا وصل إلى بلده فسيفتخر بأنه لقن سرا عاليا لمقدم الحضرة بفاس وربما يصدر منه إعجاب يكون سبب هلاكه. والآن هذا السر الذي لقنه لك أنا أعرفه وها أنا أرفع عنك إذن ذلك السيد فيه وأعفيك من ذكره فقم إلى أهلك وأرح نفسك فقد أنقذك سيدنا الشيخ التجاني رضي الله عنه. فما أصبح الصباح حتى فرج الله عن المقدم سيدي الطيب فأخبر سيدي الحاج الحسن فرحا مسرورا بحل مشكلته وذهاب همه وكربه فقال له هذا الأخير وهو يعلم تعلق قلبه بذلك السر *وها أنا الآن آذن لك في ذلك السر بسند شيخنا معا سيدي الحسين الإفراني رضي الله عنه فاذكره فلن تر منه الآن أي عطب بحول الله وببركة سيدنا الشيخ التجاني رضي الله عنه. فهذه الحكاية تنم عن تربية عظيمة عميقة رفيعة الذوق وفيها تعليم راق ودرس وجيه في آداب الطريقة التجانية الذوقية والدقيقة الخاصة بخاصة أكابر المربين.

بعض حكاياته مع العلماء

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله الفاتح الخاتم وعلى آله و صحبه و سلم. نواصل بحول الله ترجمة القطب سيدي الحسن البعقيلي رضي الله عنه بذكر حكايات له مع بعض العلماء. 1ـ مع العلامة المحدث سيدي محمد بن أحمد ألفا هاشم الفوتي رضي الله عنه هذا السيد من أكبر رجالات الطريقة التجانية ومن أعلام علمائها المرموقين وهو ابن أخ السلطان المجاهد الخليفة سيدي الحاج عمر الفوتي رضي الله عنه. وهو من أكبر حفاظ الحديث النبوي الشريف في عصره فقد كان يحفظ مائتي ألف حديث بأسانيدها فكان بحق محدث الحرمين. أخذ عنه العلماء من مشارق الأرض ومغاربها وطبقت شهرته العالم الإسلامي. وله تآليف عديدة طريقة وعلما. لما زار سيدي الحسن البعقيلي رضي الله عنه المدينة المنورة و تشرف بالمثول بين يدي سيد الكونين صلى الله عليه وسلم وأدى ما يجب من زيارته صلى الله عليه وسلم صار يبحث عن الزاوية التجانية في المدينة المنورة فأرشدوه إليها فإذا البناية التي هي فيها عمارة من طوابق . فلما دخل وجد العلامة ألفا هاشم جالسا يستقبل وجوه الزوار الذين يردون لزيارته و التبرك به و الأخذ عنه . فسلم عليه صاحب الترجمة فلم يعره أي إنتباه ، فجلس مع الناس وعلى عادته فإنه لا يسكت بل يثير المذاكرة . فسأل صاحب الترجمة ألفا هاشم قائلا سيدي هل هذه زاوية أو دار تذكرون فيها . فأجابه ألفا هاشم ؛ بل هي زاوية . فقال له ؛ لا يصح أن تكون هذه زاوية لأن فوقها طبقات مسكونة وهي مسجد والمسجد يملك ما فوقه إلى قبة العرش . فهز هذا الكلام السيد ألفا هاشم وأثار إهتمامه وانتباهه لهذا السيد الذي أجاب هذا الجواب الذي لا يليق إلا بأكابر العلماء . وهذه كــانت عادة صاحب الترجمة يهز مخاطبه ويزعزعه بعلمه فلا يملك إلا أن ينتبه إليه ويعطيه ما يستحقه من عناية واهتمام . فالتفت ألفا هاشم بكل جسده إلى سيدي الحسن البعقيلي وأعطاه اهتمامه كله وأعرض عن الحاضرين ، ثم سأله ؛ فماذا أفعل هل أهدمها ؟ فأجابه ؛ لا ففي هدمها فساد والله لا يحب المفسدين . فسأله ثانية ؛ فما أفعل إذن ؟ فأجابه ؛ بل تبيعها وتشتري بثمنها أرضا وتبني فيها الزاوية . فاستحسن رأيه وقبل إقتراحه وقال سأفعل بحول الله وقوته . وهنا وقع السؤال منه لسيدي الحسن البعقيلي للتعرف عليه فلما تعرف إليه عظمه وأجله ألفا هاشم وأقبل عليه إقبالا كليا وصار يتذاكر معه . وفي بداية المذاكرة قال له سيدي الحسن البعقيلي ؛ أنا لا أذاكرك في العلم الظاهر فلقد أوتيت الحظ الوافر منه ، وتحفظ مائتي ألف حديث . ولكن أذاكرك في العلم الباطن . ثم سأله سيدي الحسن ؛ أنت أخذت الطريقة التجانية أم هي التي أخذتك ؟ فأجاب ؛ أنا أخذتها. فسأله سيدي الحسن ؛ المحبوب يؤخذ أو يأخذ ؟ فقال؛ المحبوب يؤخذ . فقال له سيدي الحسن ؛ أما قال شيخنا سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه ؛ أنتم محبوبون مقبولون على أي حالة كنتم . فقال ألفا هاشم وقد جلس على ركبتيه ؛ هي التي أخذتني هي التي أخذتني وصار يكرر الجملة فوق ركبته اليمنى كما يكرر التلميذ اللوحة فلما رأى العلماء زواره إستغراقه مع سيدي الحسن وهو لا يلتفت إليهم سألوه ؛ يا سيدي من هذا الرجل الذي نراك إعتكفت عليه . فالتفت إليهم وقال ؛ والله إن هذا الرجل أرسله سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه ليعلمكم دينكم كما أرسل الله جبريل ليعلم الصحابة دينهم. ثم سأل ألفا هاشم سيدي الحسن قائلا ؛ طريقة سيدي أحمد التجاني ليست في القرآن ؟ فأجاب سيدي الحسن ؛ أعوذ بالله أن نعبد الله بما ليس في القرآن . فقال له ألفا هاشم؛ وأين طريقة سيدي أحمد في القرآن ؟ فأجاب ؛ طريقة سيدي أحمد مذكورة في القرآن * إهدنا الصراط المستقيم * . فصار يكرر العبارة فوق ركبته اليمنى . ثم قال له سيدي الحسن ؛ طريقة سيدي أحمد التجاني مذكورة في القرآن أربعين مرة ثم قال له ؛ إنك ستبتلى بالوهابيين فإذا سألوك عن الطريقة التجانية فقل لهم ؛ الطريقة التجانية هي * إياك نعبد وإياك نستعين إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم *. وقد كانت للرجلين جلسات طويلة بعد هذا طيلة مدة إقامة سيدي الحسن البعقيلي بالمدينة المنورة . 2 ـ مع العلامة الشريف سيدي أحمد مصباح بن محمد الانجري أبو العيش فإن بعض السادة التجانيين من مدينة طنجة طلبوا من سيدي الحسن البعقيلي أن يحل مشكلا إستعصى عليهم وهو مشكل العلامة المقدم الشريف سيدي أحمد بن محمد مصباح أبو العيش الذي إنقطع في بيته واعتزل الناس وقاطع الزاوية ورفض أن يخرج أو أن يدرس العلم كما كان يفعل من قبل . وهذا السيد من أكابر علماء عائلة أبو العيش ومن أكابر الطريقة التجانية بطنجة ، عمر كثيرا . وكان أخذ العلم ببلده وبمدينة فـاس وتلقى بها الطريقة التجانية عن العلامة سيدي أحمد بناني كلا وتلقى العلم عن علماء القرويين وعلماء الزاوية التجانية الكبرى بفاس وعلى رأسهم سيدي الحاج محمد جنون رضي الله عنه مما جعل له مكانة مرموقة في طنجة سواء في الأوساط العلمية أو في الأوساط التجانية . سأل سيدي الحسن البعقيلي عن مشكله فقالوا هو عالم كبير السن يرفض أن يخرج من بيته وأن يستقبل أحدا ويقول ؛ الناس اليوم كلهم صبيان ولم يبق ولو عالم . فقال سيدي الحسن هيا بنا إليه فذهبوا إليه ليلا ولما دقوا الباب إستقبلهم فتعجبوا من ذلك وفرح بهم وأدخلهم إلى داره خصوصا لما رأى سيدي الحسن البعقيلي معهم و قال له؛ يا سيدي سمعت عنك كثيرا وأعجبت بك قبل أن أراك. ولما أكلوا وأتاهم بالشاي سأله سيدي الحسن كعادته ليفاتحه بالمذاكرة ؛ يا سيدي إسمك أحمد ؟ قال نعم قال وما كنيتك قال مصباح فقال له سيدي الحسن إعرب لي * كمشكاة فيها مصباح* فأعربها على القواعد النحوية فلما سكت صار سيدي الحسن يفسر له الآية وتكلم على لفظة مصباح بما أوتيه من المعرفة بكلام عال جدا حتى تعجب العلامة مصباح وطرب لذلك التقرير ثم قال ؛ أنا أقول في نفسي أنه لم يبق عالم يتكلم عن هذه العلوم في هذا الزمان والتي لم أسمعها منذ عهد شيخي الحاج محمد جنون. وطالت المذاكرة بينهما ولم يشعروا حتى أدركوا صلاة الفجر. بعد أداء الصلاة وذكر الوظيفة والأوراد جلسوا للمذاكرة ، فسأل سيدي الحسن العلامة أحمد مصباح ؛ ماذا تقول في قول الإمام الغزالي * ليس في الإمكان أبدع مما كان * فأجابه العلامة مصباح ؛ أنا أول من يقول بتبديع الغزالي بهذا القول . فقال له سيدي الحسن ؛ يا مسكين لم تفهم كلامه على حقيقته ولم تعرف ما يشير إليه ؛ مراده رضي الله عنه أنه ليس في الإمكان أشرف ولا أعلا ولا أجمل ولا أكمل من صورة الكون كله ، ولا صورة للكون كله إلا من سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وكلما تراه في الكون فهو منه صلى الله عليه وسلم وهو أشرف مخلوق لله تعالى ثم صار يشرح له أفضليته صلى الله عليه وسلم وشرف مرتبته في الكون الذي خلقه الله من حقيقته صلى الله عليه وسلم . فطرب العلامة مصباح لذلك التقرير العالي النفيس فلم يشعر بنفسه إلا وهو يمد يده إلى سيدي الحسن ويقول له ؛ هات يدك فأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن سيدنا محمد رسول الله وأنا تائب لله تعالى. فلما علم سيدي الحسن أنه صادق في توبته صار يعاتبه على عدم خروجه وقال له ؛ سيحاسبك الله سبحانه على علمك الذي حرمت منه الناس وكتمته عليهم فسأله العلامة مصباح ؛ يا سيدي ماذا أفعل الآن ؟ فقال له سيدي الحسن ؛ تخرج وتصلي بالناس كما كنت في المساجد وتدرس فيها كما كنت وتنفع الناس وتعمر الزاوية فامتثل وخرج من يومه ففرح الناس بعودته إليهم وإلى دروسه ونشاطه إلى أن التحق بربه . 3 ـ مع علماء وفقراء طنجة ومسألة الشيخ الحي مسألة الشيخ الحي من الفتن التي إبتليت بها الطريقة التجانية والسبب في ذلك أحد مشايخ فاس لا داعي لذكر إسمه فإنه قام بحملة شعواء على الطريقة التجانية وفتن كثيرا من العلماء التجانيين فضلا عن غيرهم فانسلخوا منها وذلك أنه ينقل لهم كلام سيدنا الشيخ أحمد التجاني رضي الله عنه في كتاب جواهر المعاني حيث يقول أن السر والوصول لا يكون إلا على يد الشيخ الحي . ولقد رد عليه الكثير من علماء الطريقة التجانية . وفي تلك الآونة كان سيدنا صاحب الترجمة بالقصر الكبير فلنتركه يحكي لنا ما وقع بلسانه رضي الله عنه ؛ ** وقف عليّ الشيخ سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه يوما فقال لي ؛ أدرك فقراء طنجة وإلا محوت إسمك من ديوان الأولياء . فذهبت إلى طنجة ووجدت الفقراء في فتنة بسبب بعض المقدمين الكبار القائلين أن الطريقة لم يبقى فيها أي سر لأن السر يبقى مع الشيخ الحي والشيخ الحي لا يوجد اليوم في الطريقة . فمكث معهم أربعين يوما كلها في البحث والمناقشة وكنت إستغرقت معهم ثمانية عشر يوما في صلاة الفاتح وأسرارها وكنت كلما بدأت الدرس إلا وأشاهد أسرارها في اللوح المحفوظ ، وبحث معهم ليلة واحدة في قضية الإسراء وواحد وعشرون ليلة في علوم الطريقة وأسرارها. ومن جملة ما قالوا لي ؛ أين الشيخ الحي في الطريقة التجانية فقلت لهم أنا هو وأظهرت قوة الشيخ سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه فقالوا لم نر فيك شروط المشيخة . فقلت؛ إن كان من شروط المشيخة علوم الظاهر والباطن وباطن الباطن فأنا أعلم بذلك منكم ومن أشياخكم . فقالوا بارك الله فيك نريد أن تتكلم معنا حسب عقولنا ، تكلم معنا في جوهر العقل . فقلت ؛ إعلموا أيدكم الله أن كل من أراد أن يدخل حضرة السلطان لابد أن يجردوه من كل سلاح والعقل عند العارفين سيف لا يصلح مع حضرة الله . فقالوا تكلم معنا في الحال ؛ فقلت العامة يملكون أحوالهم والخاصة تملكهم أحوالهم والعارفون لا حال لهم وأنا منهم فلا أخوض فيه. فقالوا إننا نذكر من صلاة الفاتح ستمائة ألف في نفس واحد وهل إستطعت أنت ذلك فقلت لهم إن كل ما تذكرونه كلكم من التضعيف تذكره ركبتي هذه فثنيت ركبتي إليهم وقلت لهم إسمعوا فصار كل واحد يدنو من ركبتي ويسمعها تذكر صلاة الفاتح . وإنما عملت معهم ما عملت لألبي رغبة الشيخ سيدي أحمد رضي الله عنه وبذلك إستطعت أن أخضعهم حتى تابوا واعترفوا بخطئهم وأعطيت لهم الطريقة كما أمرني الشيخ رضي الله عنه .وقد رأيت منهم أمورا عجيبة وذلك أني تركتهم حتى ناموا فقمت إليهم وجعلت أفتح أفواههم واحدا بعد واحد فأجد في فم كل واحد منهم أربعة عشر لسانا كلها تتلوا صلاة الفاتح بكيفية سريعة غريبة لا يطيقها العقل .

خطب و دروس جامع الحمد

موقع جامع الحمد