بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي خصّ سيّدنا محمد صلّى الله عليه وسلّم بالتقدّم على سائر الأنبياء والمرسلين ، وختم به الرسالة كما بدأ به الكون والتكوين ، واصطفاه وأكرمه بشمائل ومعجزات لم تجتمع في أحد غيره من جميع المخلوقات ، وأشهد أن لا إله إلاّ الله ، الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، المنزّه عن الصاحبة والولد ، شهادة أدخل بها مع أهل العناية في حضرة القرب والتمكين ، وأشهد أن سيّدنا محمدا عبده ورسوله وحبيبه وصفيّه ، صلّى الله عليه وسلّم و على اله وصحبه ، أهل العزّ والجاه ، قادة الخلق إلى الحقّ ، صلاة وسلاما دائمين متلازمين بدوام مُلك الله آمين .
أمّا بعد : فمن الواجب على كلّ مسلم أن يعلم أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد حاز من الكمالات الباطنة والظاهرة ما لم يجتمع في مخلوق سواه ، فما مِن كامل باطنا وظاهرا في الكونين إلاّ ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم أصلٌ في كماله ، بل منه مدده واتّصاله ، كيف لا وكمالاته لا تحصى وأحواله وصفاته لا تحدّ فتستقصى ، ومهما بالغ المادحون وتغالى الواصفون فَهُمْ عند كماله قاصرون ، وعن استيفاء مدحه مقصّرون ، وأنّ مِن أحسن وأبلغ ما مُدح به صلّى الله عليه وسلّم ، وكُشف به عن صفاته وشمائله ، قصيدة الهمزية للعالم العارف ، والكامل الذائق ، الشيخ شرف الدين أبي عبد الله محمد بن سعيد البوصيري رضي الله عنه ، ولذا تعرّض لحلّ معانيها كثير من أفاضل الشرّاح ، فغاصوا بحار مبانيها ، واستخرجوا دُرَرَ معانيها . وهذا شرحٌ من فيوضات الحضرة الأحمدية التجانيّة تلقّاه حضرة العلاّمة الشيخ علي حرازم بن العربي براده الفاسي التجاني عن شيخه قطب الأقطاب ، وغوث الأغواث ، فريد عصره ، وخاتم الأولياء بالإجماع ، سيّدي ومولاي أبي العباس أحمد التجاني رضي الله عنه ، جاء فيه بإشارات عليّة ، وأذواق طاهرة زكيّة ، فأبان عن كثير من المعمى ، ممّا لا يدركه إلاّ ذائق وجده قد نما .

الإرشادات الربانية بالفتوحات الالهية 

سيدي أحمد التيجاني رضي الله عنه

على متن الهمزية لأبي عبد الله البوصيري

وَغَــدَا كُــلّ بَـيْـتِ نَــارٍ وَفِـيــهِ *** كُـرْبَــةٌ مِـنْ خُـمُـودِهَــا وَبَـــلاَء

معناه ، أنّ كلّ بيت من بيوت النار للفرس ، لأنّهم كانوا يعبدون النار لأنّهم في كلّ مدينة لهم أبيات يوقدون النار فيها لعبادتهم يعبدونها من دون الله ، لأنّ بيوت النار في تلك الليلة خمدت وطفئت وغدا أهل النار في كرب عظيم من خمودها ، وكذا جميع البلدان ظهر بعد أيّام وأخبروا أنّها طفئت نيرانهم في تلك الليلة فلحقهم من ذلك همّ وكرب عظيم وقالوا كلّهم في ذلك الحال ، بعدما ارتاعوا منه روعا عظيما ” إنّ هذا الأمر تراد به فارس “ 

وَتَـدَاعَــى إِيــوَانُ كِـسْـرَى وَلَــولاَ *** آيَــةٌ مِـنْـكَ مَـا تَـدَاعَــى الْبِـنَــاءُ

معنى تداعى ، أيّ هوى للسقوط إيوان كسرى ، والإيوان في لغة الفرس هو المسمّى عند العرب: قصر المملكة الذي يستقرّ فيه الملك بما يشتمل عليه من جملة خدمته وحريمه وخدّامه ومماليكه وجميع خزائنه ، فأصل الإيوان في لغة الفرس هو الذي فيه الملك بجميع ما يشتمل عليه من خزائنه وحريمه وخدمته ، وكان هذا الإيوان في غاية ما يكون من الضخامة والعظم ، وفيه من الذخائر والكنوز ما لا يعرف له حدّ ولا مقدار حتّى قالوا أنّ كسرى كانت له اثنا عشر ألف امرأة ، تداعى للسقوط في ليلة ولادته صلّى الله عليه وسلّم . وفي تلك الليلة أيضا ما بقي صنم في الدنيا بجميع حذافيرها إلاّ سقط على وجهه وأصبح ساقطا ، وفي ذلك آية وإعلام أنّه جاء وقت سقوطها وذهابها أن تعبد من دون الله . وكسرى لقب لملك الفرس بالعراق ، كلّ من ملك الفرس بالعراق يسمّونه كسرى ، مضى على ذلك اصطلاحهم على هذا الاسم ، كما أنّ من ملك الشام من قبل بني إسرائيل يسمّونهم جبابرة ، وكلّ من ملك الروم اصطلحوا على تسميته هرقل وقيصر ، واصطلحوا على ملوك مصر يسمّونهم فراعنة ، وملوك حِمْيَر باليمن يسمّونهم تبابعة ، وملوك الترك ببلادهم يسمّونهم خاقان ، وكلّ من ملك الحبشة بالسودان يسمّونه نجاش .
قوله : ولولا آية منك ما تداعى البناء ، معناه لولا آية منك يا رسول الله بالإعلام بظهورك عليهم باستيلاء أمّتك على ملكهم فهذه هي الآية ، ولولا هذه الآية ما تداعى البناء لشدّة ضخامته وشدّة توثّقه واعتناء أهله به ، فإنّ الملك الذي له اثني عشر ألف امرأة من أشراف أهل الأرض دون ما عنده من الحشمة والخدمة ، وماذا ينوبه في مؤنتهم ، فإنّ مثل هذا الملك لا يسكن في محلّ يسقط فيه البناء ، وما سقط إلاّ بأمرٍ إلهيٍّ . فإنّه روي أنّ أبا جعفر المنصور لمّا أفْضَتْ إليه المملكة عزم على هدم إيوان كسرى ، فاستشار في ذلك رجلا يقال له خالد بن عرفظة ، وكان ذا رأي سديد ، فلمّا استشاره وعزم على هدمه قال له : ” لا تفعل يا أمير المؤمنين ” ، قال له : ” ولِمَ ؟ ” ، قال له : ” إنّه من أعظم الآيات على قوّة هذا الدين ، فإنّه ما رآه ذو عقل ورأي إلاّ علم ضخامة مُلْك أهلهم وقوّة سلطانهم وثبوت دولتهم ، وأنّهم لم يُغلبوا عليه بعجز ولا بضعف ولا بقلّة من المال ، وإنّما غُلِبُوا عليه بأمر إلهيّ لا دافع له ” ، فقال له المنصور : ” ما أبيْت عن هدمه إلاّ ميلا مع العجمية ” ، قال له : ” لا ” ، ثمّ قال : ” إنّ في هدمه فساد أموال عظيمة ” ، فخالفه المنصور وأخذ في هدمه ، فما هدم إلاّ سطحا قليلا من سطوحه كان مقبيا فأفسد على هدمه مالا عظيما ، فلمّا رأى ذلك كفّ عن ذلك الفعل ثمّ دعا خالدا ، قال له : ” صرنا إلى قولك ” ، قال له خالد : ” إنّ رأيي الآن أن تبلغ به الماء ” ، قال له المنصور : ” ولِمَ ؟ ” ، قال له : ” إنّي آنف لكم أن يكونوا أولئك بنوا بناء تعجزون أنتم عن هدمه ، والهدم أيسر من البناء ” ، فكفّ المنصور وترك وبقي الإيوان على ما كان .

وَتَوَالَتْ بُشْرَى الْهَوَاتِفِ أَنْ قَدْ *** وُلِدَ الْمُصْطَفَى وَحَقَّ الْهَنَاءُ

معناه أنّه توالت البشائر على الناس في تلك الليلة بشّرتْ بولادته ونُقل من ذلك كثير ، وحكاية ملك الفرس معلومة لأنّ إيوانه انهدم منه أربع عشرة شرافة ، فلمّا أصبح و رآها تكمّد في قلبه بكمد عظيم وكتمه مع أنّ إيوانه كان في غاية التدقّق ، فلمّا أصبح وجلس بمجلسه وجلس الديوان معه ، فجاء البريد من أصحاب نارهم العظمى التي يعبدونها من دون الله بعثوه له يخبرونه بأنّ النار أطفئت بغير سبب ولم يغفلوا عنها ولا نقص حطبها . فلمّا أُخبر بذلك زاد كمده مع ما هو فيه من همّ الإيوان ، فقال لأهل مجلسه : ما هذا ؟ فقال له الموبذان ، وهو القاضي بلغتهم ، قال له : ” وأنا – أصلح الله الملك – رأيت في هذه الليلة رؤيا ، رأيت إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت الدجلة وانتشرت في بلادها ” ، فقال له كسرى : ” وما عندك في تأويلها يا موبذان ؟ ” ، قال : ” أراه حدثا يأتينا من ناحية العرب ” . فبينما هو كذلك إذ ورد عليه البريد بأنّ ماء بحيرة ساوة قد غاض في تلك الليلة بلا سبب ، ثمّ ورد عليه البريد بأنّ وادي السماوة فاض فيضا عظيما . فلمّا وقع في هذا الأمر بعث إلى عبد المسيح بن بغيلة ، وكان بالحيرة ، بعث إليه كسرى ليأتيه ليخبر في أمره ما أتاه . فلما جلس بين يديه قال له : ” ما تريد ؟ ” ، قال له : ” في نفسي أمر عظيم ” ، قال له : ” إنّما أريد من الناس من يخبرني بالأمر الذي في نفسي من غير أن أعلمه بذلك ثمّ يخبرني ماذا يراد منه ، فهناك أثق بخبره ” ، قال له : ” لا يكون علم هذا إلاّ عند خال لي يسكن بشرقيّ الشام ” ، قال له كسرى : ” فاذهب إليه وسله عمّا بعثك فيه ، وماذا يراد منه ” . فقام من ساعته وسافر إليه ، وكان بشرقيّ الشام . فلمّا وصل إليه وجده بآخر زمن من عمره ، فقال له جلساؤه : ” كلّمناه فلم يتكلم لأنه في غمرات الموت ” ، فأنشد عبد المسيح عنده :

أصمّ أم يسمع غطريف اليمن *** أم باد قد لمّ به شاوي العنن
يا كريم الخطّة أعيت من ومن *** أتاك شيخ الحيّ من آل شنن
وأمّه من آل ذئب بن حجن *** رسول فيل العجم يسرى للوسن
لا يرهب الوعد ولا ريب الزمن

أنشدها عند رأسه ففتح سطيح عينيه ثمّ قال : ” عبد المسيح أتى إلى سطيح على جمل مشيح وقد أوفى على الضريح . بعثك ملك بني ساسان لخمود النيران ورؤيا الموبذان رأى إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت الدجلة وانتشرت في بلادها . عبد المسيح إذا كثرت التلاوة وظهر صاحب الهراوة وفاض وادي السماوة وغاض وادي بحيرة ساوة فليست الشام لسطيح شاما ، يملك منه ملوك وملكات على عدد الشرافات ، وكلّ ما هو آت آت ” ، ثمّ فاضت روحه . فلمّا جاء عبد المسيح إلى كسرى وأخبره بما قاله سطيح فصدّقه وقال : ” هذا هو الذي في نفسي “، ثمّ خفّف الهمّ عن نفسه وقال : ” إذا تملّك منّا أربعة عشر ملكا قد صارت أمورا ” .

لَيْـلَـةُ الْمَـوْلِــدِ الـذِي كَـانَ لِـلـدِّيـ *** ـنِ سُــرُورٌ بِـيَـوْمِــهِ وَازْدِهَـــاءُ

قوله : ليلة المولد ، يحتمل أنّه من باب عطف البيان ، وهو قوله : أسفرت عنه ليلة غرّاء عَطَفَ عليها بليلة المولد ، ويحتمل أنّها جملة استئنافية . ثمّ قال : ليلة المولد ، كأنّه يقول : ليكن اهتمامك وعلمك ليلة المولد التي ولد فيها صلّى الله عليه وسلّم بتلك الليلة كان لدين الإسلام بتلك الليلة سرور وازدهاء ، والزهو هو شدّة الانبساط في السرور ، فإنّ السرور حقيقة هو نور يسطع على القلب يوجد للقلب السرور والفرح والازدهاء ، وهو ظهور ذلك على الجوارح بسطح أو تصفيق أو شدّة حركة .

وَمُحَـيّـاً كَالشَّـمْـسِ مِـنْـكَ مُـضِـيءٌ *** أَسْـفَــرَتْ عَـنْـهُ لَـيْـلَـةٌ غَـــرَّاءُ

معناه أنّ المحيّا ، هو الوجه ، كالشمس ، شبّه بالشمس في غاية ضيائه وفي غاية كماله ، وتشبيهه صلّى الله عليه وسلّم بالشمس من باب التشبيه للأعلى بالأدنى ، وهو سائغ عند العرب ، لأنّه صلّى الله عليه وسلّم في ضيائه ونوره أضوأ وأنور وأكبر من الشمس بكثير ، فإنّ ضياء الشمس في غاية سعته إذا أضيفت إلى نوره وضيائه صلّى الله عليه وسلّم كانت كبصقة في البحر المحيط . يقول ابن الفارض في التائية حكاية عن نفسه :

 

ومن مشرعـي البحـر المحيط كنقطـة      ومـن مطلعـي النـور البسيـط كلمعـة

 

هذا هو في محلّه فكيف به صلّى الله عليه وسلّم الذي لا قياس عليه . فإنّ الجنّة مراتب نورها ، أيّ المرتبة السفلى منها ، لو أخرجت حوراء إصبعها حتّى من السماء لأطفأت نور الشمس على أهل الدنيا ، وهكذا النسبة الثانية إلى الجنّة التي أسفل منها ، وهكذا فصاعدا إلى ما لا نهاية ، وأنّ العرش لو بدا نوره لكانت الشمس معه كالقنديل في وسط الشمس وفي وسط الظهيرة . وقد روي في الخبر أنّه منذ خلق الله العرش كلّ يوم يكسى ألف حلّة من نور ، وهو لا يعدّ في أنواع الحجب التي فوقه ، وكلّ هذه الأنوار تستمدّ من نوره صلّى الله عليه وسلّم ، وهو المفيض على جميعها بالأنوار ، وإذا أضيفت إلى نوره صلّى الله عليه وسلّم كانت كلمعة ، فلا نسبة بينه وبين الشمس في الضياء والنور لكن تشبيه الأعلى بالأدنى سائغ عند العرب ، قال سبحانـه وتعالى   اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ    [النور : 35 ] ، فإنّ نوره سبحانه وتعالى لا غاية له وشبّهه بالمشكاة مع أنّ المشكاة في غاية الضعف ، فلذا قلنا إنّ تشبيهه بالشمس من باب ضرب المثل بالأدنى . وأيضا نظر آخر ، لمّا كانت الشمس هي غاية ما أدركت القوّة البصريّة من الأنوار وغيرها لا علم لها به ، كان تشبيهه صلّى الله عليه وسلّم بغاية ما أدركت البشريّة من الأنوار وهي الشمس ، وقد مُدِح صلّى الله عليه وسلّم في قصيدة كعب بن زهير حيث شبّهه صلّى الله عليه وسلّم بالأسد في الهيبة والشجاعة ، وهو معلوم ، حيث يقول :

 

حتى  وضعت يميني لا  أنازعـه      في كف ذي نغمات قيله القيل 
لداك  أهيـب عندي إذ  يكلمنـي      وقيل إنك منسوب ومسـؤول 
من خادر من ليوث الأسد مسكنه      في بطن عشر غيل دونه غيل

 

ثم تمادى في وصف الأسد :

 

ولا يـزال بواديـه أخـا ثقـة      مطارح البز والدوسان  مأكول 
تطل  منه سباع الجو  ضامـرة      ولا  تمشي بواديه  الأراجيـل

 

ثم تمادى في وصف الأسد الذي كان عنده صلى الله عليه وسلم أهيب منه إلى أن قال :

 

إن  الرسول لسيف يستضاء به      مهند من سيوف الله مسلـول

 

قلنا إنّه شبّهه بالأسد مع كونه صلّى الله عليه وسلّم لا نسبة بينه وبين الأسد ، لا في الشجاعة ولا في الهيبة إلاّ إذا قلنا تشبيه للأعلى بالأدنى سائغ عندهم .
قوله : منك مضيء ، يريد أنّه صلّى الله عليه وسلّم كان وجهه في غاية الضياء حتّى حكتْ عائشة رضي الله عنها أنّها رأت الإبرة في الليل حين سقطت من يدها بنور وجهه صلّى الله عليه وسلّم ، يعني نورانيته صلّى الله عليه وسلّم .
قوله : أسفرت عنه ليلة غرّاء ، معناه أنّ الإسفار هو شدّة الضياء الواقع بعد الظلام ، يقول سبحانه وتعالى   وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ   [المدثر : 33 ، 34 ] ، والإسفار قلنا : هو شدّة الضياء بعد الظلام . قال : وجهه صلّى الله عليه وسلّم كأنّه الشمس في الضياء أردف عليه معنى آخر ، قال : أسفرت عنه ليلة غرّاء ، لأنّ الشيء الأنور ظهوره في غاية الظلام وهو الليل أكبر جمالا من ظهوره في النهار لذا قال : أسفرت عنه ليلة غرّاء ، يعني بيضاء بشدّة النور وكانت الليلة في أصلها في غاية الظلام ، فلمّا طلع الوجه الأكرم فيها بضيائه كانت غرّاء بذلك الوجه وأسفرت عن ذلك الوجه الأكرم حتّى صارت بيضاء بقوة النور الذي برز فيها .

حَـبَّــذَا عِـقْــدُ سُــؤْدَدٍ وَفَـخَـــارٍ *** أنْـتَ فِـيـهِ الْيَـتِـيمَـةُ الْعَـصْـمَــاءُ

لما ذكر النسب وعلوّه قال: حبّذا، كلمة تقولها العرب في الشيء الذي جاء في مطابقة هوى الإنسان ، يقال فيه حبّذا ، يعني ما أحبّ ذا . النفي مصدره مصدر التعجّب، يعني هذا الشرف، وهو النسب العالي، يعني نسبه العالي، يعني نسبه صلّى الله عليه وسلّم صار في صورة العقد وهي القلادة التي يلقيها النساء في أعناقهنّ من الذهب والياقوت. قال: عقد سؤدد، صار هذا النسب في صورة العقد المنظوم، يعني واحدا بعد واحد. قال: حبّذا عقد سؤدد ، يعني عقد شرف وفخار ، وهو تعظيم الرتبة على الناس . أنت فيه ، ذلك العقد ، أنت فيه اليتيمة العصماء صلّى الله عليه وسلّم ، ، والمراد باليتيمة هي الياقوتة التي تكون بين الصدفين فريدة ، فإنّ حيتان بحر الهند تطلع في أيام النيسان على سطح البحر ، الحيتان والأصداف كلّها تطلع على سطح البحر مرتقبين لمطر النيسان فاتحة أفواهها ، فأيّ نقطة سقت في فمها انعقدت ياقوتة جوفاء ، والياقوت والجوهر والدرّ واللؤلؤ كلّها أسماء مترادفة إلاّ أن اصطلحت على تسمية الأحمر بالياقوت ، وعلى تسمية صغار الياقوت الأبيض باللؤلؤ . قال سبحانه وتعالى في وصف الحور:   كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ  [الرحمن : 58 ] والمراد بالياقوت الأحمر ، ثم قال في وصف الحور أيضا في الآية الأخرى:   وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون  [الواقعة : 22 ] فاللؤلؤ إذا كان مكنونا ثمّ تمسّه الأهوية والرياح كان في غاية العلوّ والشرف والحسن والبهاء ، وقد قلنا أنّ كلّ قطرة قطرت في فم حوتة أو صدفة ابتلعتها ، فالحوتة تبتلع النقطة والنقطتين والصدفة كذلك تنطبق على ذلك ، فمن ابتلعت نقطة تكوّنت من ذلك ياقوتة أو نقطتين تكوّنت ياقوتتين ، وكذلك الصدفة ، ثمّ إنّ النقطة تكوّنت مع أختها في جوف الحوت وإلاّ في جوف الصدفة لا يختلطان ، فكلّ نقطة تتكوّن لؤلؤة ، فمن كانت في جوفها نقطة واحدة تكوّنت ياقوتة واحدة ، وهي المسمّاة عند الناس باليتيمة والفريدة ، فإنّ هذه الياقوتة اليتيمة في غاية المراتب من العلوّ والشرف والجمال والحسن والخواصّ ، وكلّ ياقوتة مع غيرها في الجوف من اثنين فصاعدا انحطّت مرتبتها عن الفريدة واليتيمة . شبّهَ الشيخ رضي الله عنه هذا النسب العالي بالعقد المنظوم وهو فيه صلّى الله عليه وسلّم بمنزلة الياقوتة اليتيمة التي هي في غاية العلوّ والشرف ، فإنّها عند أهلها يضعونها في أسفل العقد والعقد من فوقها منتظم بالمناظرة ، واليتيمة لا نظير لها ، فشبّهه صلّى الله عليه وسلّم باليتيمة في العقد .
قوله : العصماء ، معناه التي عصمت مع مشاركة غيرها في محلّها ، فإنّها لم يتكوّن معها شيء ، وفي هذا البيت إشارة إلى تمثيله صلّى الله عليه وسلّم بالياقوتة اليتيمة ، فإنّ أبواه صلّى الله عليه وسلّم لم يكن لهما ولد غيره لا ذكر ولا أنثى ، فشبّهه بالياقوتة اليتيمة التي تكوّنت بين الصدفين فيه تشيبه بديع يعني : ذلك النسب الشريف على غاية علوّه وارتفاعه صار في منزلة العقد الشريف منتظم من ياقوت وذهب ، أنت في محلّ ذلك العقد اليتيمة العصماء ، والعصماء من وجهين : أنّها عصمت نفسها من مشاركة غيرها في المحلّ ، وعصمت طالبها من الالتفات إلى غيرها ، فإن طالب الياقوتة إذا وجد اليتيمة لم يلتفت إلى غيرها ، كما تقول العرب في المرأة التي في غاية الجمال والحسن ، ويسمّونها عقيلة ، يريدون أنّ مَن نظر إليها و أدركها عقلت عقله عن الالتفات إلى غيرها مأخوذة من عقل البعير، إذا عقل حبس في محلّه ، فهذه هي العصماء .

نَـسَــبٌ تَـحْـسِــبُ الْعُـلاَ بِـحُــلاَهُ *** قَـلَّـدَتْـهَـا نُـجَـومَـهَـا الْجَـــوْزَاءُ

معناه أنّ نسبه صلّى الله عليه وسلّم ، هم آباؤه . قوله : تحسب العلا بحلاه ، تحسب هاهنا هو الشرف والعلوّ ، والعلا كلّ من علا في الوجود من بني آدم من النبيّين والمرسلين ومن قاربهم من الصدّيقين والأقطاب كلّها تتشرف بحلا ذلك النسب لقربهم منه حيث خرجوا من أصله ، وهو آدم عليه السلام وشيث وإدريس ونوح ، فهؤلاء الآباء الجامعون لبني آدم ممّن بعدهم يشرّفون بحلا ذلك النسب ، والحلا جمع حلية ، وهي الأخلاق الكريمة ضدّ الأخلاق اللئيمة ، تشرّف العلا بحلا ذلك النسب من أب لأب . 
ثمّ قال : قلّدتها نجومها الجوزاء ، أتى بضمير التأنيث في قوله : قلّدتها لتأنيث الجمع . فلذلك النسب بعلوّه وشرفه وظهور أخلاق الكرم فيه كَانَ النسب في جماله كأنّه نجوم الجوزاء . نسبه صلّى الله عليه وسلّم وهو : محمّد صلّى الله عليه وسلّم بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصيّ بن كلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان .

وَبَــدَا لِلْـوُجُــودِ مِـنـكَ كَـرِيـــمٌ *** مِــنْ كَـرِيــمٍ آبَـــاؤُهُ كُـرَمَـــاءُ

قوله : وبدا للوجود ، معناه بدا ، أيّ ظهر ، ومعناه ظهر من حجاب الغيب لا أنّه ظهر من حجاب العدم ، فإنّه كان موجودا صلّى الله عليه وسلّم بأعصار كثيرة ، وقد أخبر عنه ربّه سبحانه وتعالى بقوله   : “فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ” [    الزخرف : 81 ] ، فإنّه صلّى الله عليه وسلّم هو أوّل موجود ظهر من العماء الربّاني ، وهو أوّل موجود تجلّى له ربّه بصفات كمالاته ، وهو أوّل موجود عَبَدَ اللهَ تعالى وسجد له ، لم يسبقه إلى هذا الميدان شيء أصلا .
قوله : للوجود ، ومعنى الوجود هو صورة العالم ، وقوله : وبدا للوجود ، وبُدُؤُهُ صلّى الله عليه وسلّم للوجود لم يكن إلاّ في صورة هذا العالم الذي نحن فيه . يقول الجاهل : ” غيرنا من العوالم لا علم له به صلّى الله عليه وسلّم ” . بل التحقيق فيه أنّ جميع العوالم تعرفه صلّى الله عليه وسلّم معرفة تامّة إلاّ من اتّصف بالجهل كعُصاة بني آدم والجنّ ، يدلّ على ذلك قوله صلّى الله عليه وسلّم في قضيّة الضبّ المعروفة ، قال : “كلّ شيء يعلم أنّي رسول الله غير عصاة بني آدم والجنّ ” . قلنا : فجميع العوالم تعرفه غير من ذُكر من حيث أنّ الحقّ سبحانه وتعالى كلّفها كلّها بالصلاة عليه صلّى الله عليه وسلّم ، فهذا معنى وبدا للوجود ، وليس الوجود الذ ي نحن فيه فقط كما يظنّه الجاهل ، بل كلّ من عرف الله عرفه صلّى الله عليه وسلّم إلاّ من اتّصف بالجهل ممّن ذكر قبل . 
قوله : منك كريم ، معناه أنّ العبارة تعطي من نفسها أنّ الظاهر للوجود من ذاته للوجود وغيره وليس كذلك ، بل هذه العبارة سارية عند العرب ، إنّما يريدون الشخص نفسه ، وقوله : منك كريم هو الجامع لصفات المحامد كلّها المتنزّه عن صفات النقائص ، هذا هو الذي تسمّيه العرب كريما ، فهو صلّى الله عليه وسلّم جامع لأشتات المحامد والكمالات كلّها ، منزّه في كماله عن جميع النقائص التي لا يحتملها كماله ، يدلّ عليه قوله صلّى الله عليه وسلّم : “ما بال أقوام يتنزّهون عن الشيء أفعله فو الله إنّي لأعلمهم بالله وأخشاهم له ” . وعلمه بالله تعالى من حيث أنّه متحقّق بجميع الكمالات الإلهيّة ممّا انكشف له صلّى الله عليه وسلّم ، فهذا الكريم . 
قوله : من كريم ، يريد به أباه صلّى الله عليه وسلّم سيّدنا عبد الله الذي هو آخر موجود انفصل عنه صلّى الله عليه وسلّم . آباؤه كرماء، كلّهم كرماء ظهر فيهم بصفاته صلّى الله عليه وسلّم .

تَـتَـبَـاهَـى بِـكَ الْعُصُـورُ وَتَـسْـمُـو *** بِـكَ عَـلْـيَــاءُ بَـعْـدَهَـا عَـلْـيَــاءُ

قوله : تتباهى بك العصور ، يعني تتباهى العصور بظهورك ، والمراد بها العصور التي ظهر بها صلّى الله عليه وسلّم يباهي غيرها من الأعصار ، والمباهاة هي التعاظم والتفاخر على النظير ، وعصره صلّى الله عليه وسلّم يباهي الأعصار التي لم يظهر فيها صلّى الله عليه وسلّم ظهار شرفه صلّى الله عليه وسلّم  في ذلك العصر قال الغافقي في مراثيه لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم :

فما فَقَـدَ الماضـون مثـل محمّـد      ولا مثلـه حتّـى القيـامـة يُفـقَـدُ

هذا معنى تتباهى بك العصور. وعصره صلّى الله عليه وسلّم هو من يوم ولادته إلى يوم موته ، وذلك العصر هو أفضل الأعصار ، فيه خير الدنيا والآخرة وعدد العصور مع أنّه عصرٌ واحدٌ بتعدد أيّامه . 
قوله : وتسمو بك علياء بعدها علياء ، معناها مراتب أهل الخصوص والكمال مع النبيّين والمرسلين والملائكة على افتراق طبقاتهم والأقطاب والصديقين ، كلّ تلك المراتب ظهر علوّها عند الله وارتفاعها بسبب فيضه عليهم من حضرة القدس ، فإنّ بذلك الفيض ارتفعت تلك المراتب وعَلَتْ مقاديرها عند الله تعالى على حسب ما قدّر الله في الغيب .
وتسمو بك علياء بعدها علياء ، وهي مراتب أهل الخصوص ممّن ذكرت به صلّى الله عليه وسلّم ، يعني من فيضه عليهم من حضرة القدس .

مَـا مَـضَـتْ فَـتْـرَةٌ مَـنَ الـرُّسْــل إَلاَّ *** بَـشَّـرَتْ قَـوْمَـهَـا بِـكَ الأَنْـبِـيَــاءُ

معناه : ما مضى زمن فيه الفترة من الرسل إلاّ ظهر الخبر من الأنبياء عليهم السلام بنبوّته وشرفه وعلوّه . فقد قيل إنّ سليمان عليه الصلاة والسلام مَرّ بأرض المدينة بجيوش ، وهي إذ ذاك براح لا بِنَاء بها ، فلمّا نزلها عليه الصلاة والسلام قال للناس حوله : ” هذه دار هجرة لنبيّ في آخر الزمان ” ، قالوا : ” كم بيننا وبين خروجه يا نبيّ الله ؟ قال : ” مقدار ألف عام ” ، ثمّ قال لهم : ” فليبلّغ الشاهد منكم الغائب ، فإنّه سيّد الأنبياء وخاتم الرسل صلّى الله عليه وسلّم ” ، وكذا الأخبار عنه بكثير من النبيّين عليهم الصلاة والسلام . وقال شعياء عليه الصلاة والسلام لبني إسرائيل ، قال لهم : ” إنّ الذي تسمّونه ضالاّ هو صاحب النبوّة تفترون ذلك على كثرة فجوركم ” ، إلى غير ذلك من أخبار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . وقوله : ضالاّ ، يعني أهل زمانه ووقته صلّى الله عليه وسلّم يسمّونه بهذا و لمّا ظهر صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة وخافت الأحبار على عامّة اليهود أن يتّبعوه ، كتبوا صفته في كتب مجرّدة عن التوراة ، كتبوا صفته ، يعني أزرق العينين طويلا ، وبدّلوا صفاته صلّى الله عليه وسلّم المكتوبة في التوراة ، ثمّ أخرجوها إلى العامّة وقالوا لهم : ” هذه صفته في التوراة ” ، فسكن العامّة واتّبعوهم وكفروا ، فلقي بعض أحبار اليهود صلّى الله عليه وسلّم ، وكان شابّا وكان أكبر أحبارهم ، لقيه صباحا كان خارجا عن المدينة ، فقال له صلّى الله عليه وسلّم : ” يا فلان ، المكتوب في التوراة الذي من صفته كذا وكذا ، وذكر صلّى الله عليه وسلّم أوصافه في التوراة ، تزعمون أنّي لست به ” ، فنظر اليهوديّ يمينا وشمالا فلم ير أحدا ، ثمّ قال له : ” يا محمد ، كلّ أحبار اليهود تعلم أنّك المكتوب في التوراة بصفتك على ما أنت عليه من غير شكّ عندهم في ذلك ” ، وإنّما غلب عليهم الحسد وهو منهم ، عليهم لعنة الله ،   “فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ”   – البقرة : 89

لم تَـزَلْ فِي ضَمَـائِـر ِالْكَـوْنِ تُخْـتَـا *** ــرُ لَــكَ الأُمَّــهَـــاتُ وَالآبَـــاءُ

قوله : ضمائر الكون : هو الكون الذي ظهر قبل وجوده صلّى الله عليه وسلّم ، إذ كان صلّى الله عليه وسلّم غيبا في ذلك الكون ، سُمِّيَ مضمرا لذلك ، تختار لك ، أي تصطفى لك الأمّهات والآباء ، يدلّ على هذا قوله صلّى الله عليه وسلّم : ”لم يزل الله ينقلني من الأصلاب الطاهرة إلى الأرحام الزكية”، قالوا : ” لم تقع له أمّ في الزنا قطّ ولا اعتراها ما يعتري الجاهليّة ، منه إلى آدم عليه السلام” ، تطهيرا له صلّى الله عليه وسلّم . قوله عليه السلام : “بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا لم يفترق شعبتان إلاّ كنت في خيرهما” صلّى الله عليه وسلّم .

لَـكَ ذَاتُ الْعُـلُــومِ مِـنْ عَـالِـمِ الْغَـيْـ *** ــبِ وَمِـنْـهَــا لآدَمَ الأَسْـــمَـــاءُ

أخبر أنّ عالم الغيب كلّه أسماء ومسميّات ، وقولنا : عالم الغيب ، فعالم الشهادة جزء منه لأنّه ناشئ عنه ، فما في عالم الشهادة شيء إلاّ كان غيبا ثمّ ظهر في الشهادة . قال : لك ذوات المعلومات من عالم الغيب أحاط بها علما صلّى الله عليه وسلّم بجميع كلّيّاتها وجزئيّاتها ومركّباتها وبسائطها ومفرداتها ومتعدّداتها وأجناسها وأنواعها وخواصّها وتأثيرها وأحكامها ولوازمها ومقتضياتها فردا فردا وجملة وتفصيلا لم يعزب عنه شيء منها ، وعلمه بها في هذا الميدان هو علمه بالصفات الإلهيّة والأسماء الربّانيّة ، فإنّهما من العلم بالله ، لأنّه ما في الوجود ذرّة في الكون فما فوقها إلاّ هي صفة من صفاته واسم من أسمائه سبحانه وتعالى . هذه إحاطته صلّى الله عليه وسلّم بالمعلومات وهي المسمّيات.

ومنها لآدم الأسماء ، أيّ من عوالم الغيب منها لآدم الأسماء دون جميع المسمّيات .
ويورد هاهنا اعتراض هو أن يقال : إنّ آدم عليه السلام كان خليفة وقطبا متصرّفا في جميع المملكة الإلهيّة لا يدفع تصرّفه في شيء ، والإحاطة التي ذكرناها فيه صلّى الله عليه وسلّم بالمسمّيات إنّما هي لكلّ قطب في الوجود من آدم إلى النفخ في الصور ، فهي واقعة لكلّ قطب لا يشذّ عن القطب شيء منها في الوجود تصرّفا وعلما ، فكيف نفى عن آدم بالمسمّيات مع كونه قطبا وخليفة ؟

والجواب عن هذا الاعتراض ليس هو إلاّ في المكتوم . فالمكتوم هو : ” لك شهود ذات العلوم ” وهي الذات العليّة المطلقة التي انطمست فيها جميع النسب وعنها إنشاء جميع العلوم والمعارف والمراتب والمقامات والأسرار والخواصّ والفيوضات والتجلّيات والترقّيات ، وهي الذات الصرفة مرتبة وشهودا والوجود المطلق ، ومنها لآدم الأسماء مرتبة وشهودا ، فإنّه عليه السلام ما عرف من ربّه إلاّ الصفات والأسماء ، والذات عنه غيب ، وكذا جميع النبيّين والمرسلين .

أنْتَ مِصْـبَـاحُ كُلِّ فَـضْـلٍ فَمَـا تَـصْـ *** ــدُر ُ إِلاَّ عَـنْ ضَــوْئِــكَ الأَضْــواءُ

أخبر هنا في هذا البيت أنّه صلّى الله عليه وسلّم هو المصباح المضيء في الظلام لكلّ كوْنٍ في وجود العالم مطلقا من غير شذوذ في جميع الأعصار ، فما ظهر في الكون نورٌ وضياءٌ مطلقا في كلّ عصر وفي كلّ محلّ من العالم إلاّ عن ضوئكَ ونوركَ ، فكلّ الوجود مستمدّ من نوره صلّى الله عليه وسلّم مطلقا ، فما تصدر إلاّ عن ضوئه الأضواء ، وليس في مشيئة الله سبحانه وتعالى أن يبسط نورا في ظلام العالم في أيّ محلّ منه خارج عن نوره صلّى الله عليه وسلّم . لم يشأ هذا سبحانه وتعالى – مع كونه قادرا عليه – مع كونه لم تنفذ به المشيئة .

إنَّـمَــا مَـثَّـلُـوا صِـفَـاتِــكَ لِلنَّــا *** ـسِ كَـمَـا مَـثَّــلَ النُّـجُـومَ الْمَــاءُ

أخبر هنا في هذا البيت أنّ جميعهم نوّاب عنه في الرسالة ، وخلفاء له في مراتبه صلّى الله عليه وسلّم ، فالرسول المحقّق لجميع الوجود هو صلّى الله عليه وسلّم ، إلاّ أنّه حيث كان في حجاب الغيب بحقيقته المحمديّة ، أقامهم نوّابا عنه في الرسالة في ظاهر الوجود صلّى الله عليه وسلّم ، فظهروا برسالته نوّابا عنه ، وأمدّهم بأسراره وصفاته القدسيّة التي اكتسبها من حضرة الألوهيّة وحضرة الذات ، فانطبعت صفاتُه صلّى الله عليه وسلّم فيهم بسرّ المقابلة كما تنطبع النجوم في الماء إذا قابلته ، وبذلك الانطباع فيهم ، حيث انطبعت فيهم صفاته القدسيّة صلّى الله عليه وسلّم ، ظهروا بها في الناس وأدّوا الرسالة وبلّغوا الأمانة . فما ظهروا في الناس إلاّ بصفاته صلّى الله عليه وسلّم التي انطبعت فيهم كما تنطبع النجوم في الماء بمنزلة مَن أشرف على البحر ونظر فيه يرى جميع السماء منطبعة فيه بنجومها .

لَـمْ يُـسَـاوُوكَ فِـي عُـلاَكَ وَقَـدْ حَــا *** لَ سَـنـا مِـنْـكَ دُونَـهُـمْ وَسَـنَــاءُ

ثمّ جاء بقوله : لم يساووك في علاك مفرّعا في قوله : كيف ترقى ، حيث نفى رقيّهم عن رقيّه صلّى الله عليه وسلّم ، كأنّ هناك سؤالا مقدّرا يقول فيه القائل : ولِمَ لم يرتقوا رقيّه صلّى الله عليه وسلّم ؟ أجاب بقوله : لم يساووك في علاك ، والعلى ههنا قد ذكرنا أنّ مقامه صلّى الله عليه وسلّم مِن حضرة الذات من حيث ما هي هي ، وهي الوحدة ، ومقامات جميع الأنبياء والمرسلين حضرة مرتبة الألوهيّة ، والذات عنهم غيب ، فإنّه لو تجلّى لجميعهم سبحانه وتعالى بذاته كما تجلّى له صلّى الله عليه وسلّم بها لصاروا محض العدم في أسرع من طرفة العين ، فلذا قال لموسى عليه السلام  لَنْ تَرَانِي -الأعراف : 143-  ، منع من الرؤية ، كأنّه يقول له : ” لا مطمع لك في رؤيتي ” . وقد قال بعض أهل الإشارات في قوله سبحانه وتعالى  وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ  -الأنعام : 152- قال : فيها إشارة لنهي موسى عليه السلام عن طلب تلك المرتبة ، وهي رؤية الذات ، إنّما هي مخبرة لليتيم صلّى الله عليه وسلّم ، وهي ماله صلّى الله عليه وسلّم .
وقد حال سنا منك دونهم وسناء ، السنا هو الضياء ، المراد به نوره صلّى الله عليه وسلّم ، والسناء هو العلوّ ، فالسنا بالقصر هو الضياء والنور ، والسناء بالمدّ هو العلوّ . أخبر هنا عن سبب منْعهم من ترقّيهم رقيّه صلّى الله عليه وسلّم أنّ ترقّيهم إلى ذلك المقام حالت دونه ، أيّ ذلك المقام ، حجُب الأنوار الإلهيّة ، فإنّهم لو دنوا إلى الحجاب الأوّل من تلك الأنوار لاحترقوا في أسرع من طرفة العين . 
قوله : وسناء يعني : قد حال علوّ مقامك دون ترقّيهم رقيّك ، فإنّا ذكرْنا مقامه هي حضرة الذات المطلقة ، ومقاماتهم جميعا هي حضرة الألوهيّة ، وبين حضرة الألوهيّة وحضرة الذات حجب لا تحصى ولا تستقصى .

كَـيْـفَ تَـرْقَــى رُقِـيَّـكَ الأَنْـبِـيَـاءُ *** يـا سَـمَـاءً مَـا طَـاوَلَـتْـهَـا سـمَـاءُ

إستفتح بكيف ، إمّا تعجّبيّة وإمّا استفهاميّة . إمّا تعجّبُ إنكارٍ ، وإمّا استفهامُ إنكارٍ ، معناه : أنّه لا مطمع لهم عليهم الصلاة والسلام بأن يرتقوا رقيّك ، والنفي هاهنا يقول فيه : إنّهم ليست لهم بداية كبدايتك لأنّ الأمر الذي وُجِدَتْ منه الحقيقة المحمديّة لا مطمع لأحد أن يكون منه ، وذلك أنّك أصل الأصول والكون كلّه فرعٌ عنك ، ومن المعلوم بالضرورة أنّ الفرع لا يستوعب حُكْمَ الأصل من كلّ وجهٍ لأنّ له نسبةً من الأصل فقط وليس يستوعب حكم الأصل. وإذا كان هذا الاعتبار من الأصل والفروع فلا مطمع لجميع الأنبياء والمرسلين أن يرتقوا رقيّك. والرقيّ الذي أشار إليه الشيخ في المحلّ هو قيامه صلّى الله عليه وسلّم في مقام الوحدة الذي يعبّر عن حقيقة الذات المطلقة ، وأمّا مقامات النبيّين والمرسلين كلّهم فإنّما مراتبهم كلّها من مقامات الواحديّة . فالمراتب ثلاثة : الأحديّة والوحدة والواحديّة . فالأحديّة كُنه الحقّ من حيث ما هو بلا نسبةٍ ولا كيفيةٍ ولا غيريةٍ ولا شيء غيرهما ممّا يُعقل أو يُتوهّم أو يُتخيّل . وأما الوحدة فهي مقامه صلّى الله عليه وسلّم في حضرة الذات من حيث ما هي هي لجميع الاعتبارات إلاّ الغيريّة . وأمّا الواحديّة فهي حضرة الحقّ بمرتبة ألوهيّته مشتملة على جميع الصفات والأسماء ، والذات عن صاحبها غيب ، وليس مشهده إلاّ مرتبة الألوهيّة المشتملة على جميع الصفات والأسماء . ومَن كان في هذا الميدان لا مطمع له أن يحوم حول مرتبة الوحدة من حيث ما هي تجلّي الذات المطلقة ، فإنّ تلك مرتبته صلّى الله عليه وسلّم وحده بلا مشاركة ، فلهذا قال : كيف ترقى رقيّك الأنبياء ، إذ لم يساووك في المقام ولا في الأصل الذي وُجدت عنه الحقيقة ولا أن لهم إحاطة كإحاطتك ، فلا مطمع لهم حينئذ أن يرتقوا رقيّك لأنّهم فروع عنك وأنت الأصل الجامع صلّى الله عليك وعلى آلك،
قوله : يا سماء ما طاولتها سماء ، تسميته صلّى الله عليه وسلم سماء لكونه هو السقف المرفوع على جميع الوجود كما أنّ السماء فوق الأرض وتنزل منها أرزاق أهل الأرض ، وجميع الآثار التي في الأرض إنّما هي عن تأثيرات كواكبه بقدرة الله ومشيئته . فالسماء حينئذ أشرف من الأرض وأرفع منها . كذلك هو صلّى الله عليه وسلّم لجميع الوجود الذي به انتفاعه وبقاؤه و إنّما استمداده وبقاؤه من فيض حضرته الكريمة ، وجميع آثار الوجود إنّما هو عين الأسماء الإلهيّة والأسرار الربّانيّة التي جعلها الحقّ سبحانه وتعالى في حقيقته المحمديّة مكنوزة ، كذلك آثار جميع الوجود التي تقع فيه إنّما هي ناشئة عن الأسماء الإلهيّة والأسرار الربّانيّة التي هي في حقيقته صلّى الله عليه وسلّم ، وبتلك الأسرار والأسماء يمدّ جميع جميع الوجود .
قوله : ما طاولتها سماء يعني ، ما طالت سماء فوقها ولا ناظرتها ، إذ لم يكن له صلّى الله عليه وسلم ثانٍ في الوجود يحيط بجميع أسراره وعلومه ومعارفه ويتمكّن من حقيقة مقامه صلّى الله عليه وسلّم . 

 استمع للهمزية

المولد النبوي الشريف

جامع الزيتونة 1433 هـ

https://zaouiatijania-tn.com/mp3/HamazyaZaytouna1433.mp3

خطب و دروس جامع الحمد

موقع جامع الحمد