-بعثة الرسول صلى الله عليه و سلم - 4 ربيع الأوّل 1433 هـ / الموافق 27 جانفي 2012 م

" الخطبة الـأولى "

الحمد لله، الحمد لله الذي بعث رسولا يدعو إلى الحقّ مُبشّرا ونذيرا، وإلى الطّريق المستقيم هادياً ومُنيرا، وأكرمه بختم الرّسالات ليكون للنّاس معلِّما وسراجا منيرا، تندرج الرّسالات كلّها السابقة في رسالتِه والشّرائع تُـنسخ بشريعته ونشهد أنّ الله القادرُ على ما يشاء المُريد لما سبق في عِلمه أنّه كائن على الصّفة التي سيكون، ونشهد أنّ سيّدنا محمّدا فضّله ربّه بأن جعله فاتح الوجود وسيّد الوجود وخاتم النـبـيـئـيـن والمُرسلين صلّى الله عليه وسلّم وعلى آله المُخلصين وأصحابه الموصوفين بكمال الصّدق ورسوخ قدم القرب وسرّ الولاية والتابعين الذين جاهدوا سيفا وقلما وخطابة لتوطيد أركان وحضارة هذا الدِّينِ. من يُطع الله ورسوله فقد رشد واهتدى ومن يَعصِ الله فقد غوى واعتدى. عباد الله، يقول الله تبارك وتعالى ” هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ” . امتَنَّ الله على خلقِه ببعث رسول في الأمـيـيـن ليُنقذهم من الضّلالة إلى الهدى ومن ظلمة الكُفر والشّرك إلى نور اليقين ومن ظلام وذلّ الجهل إلى نور القراءة وعزّ العِلم يتلو عليهم آيات الله البيّـنات ويُـبيّن لهم من دِين الله وشرعه ما يُؤهّلهم للتحقّ بتمام العبوديّة لله الواحد الأحد لتصفُو النّفوس من كَدُرات الدّنيا فتُخلِص الدِّين لله قولا وعملا وسلوكا وتزكو في مقامات التقوى ومنازل الإيمان والإحسان. إنّ دعوة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقد أُمر من ربّه بالصّدع وإفشاء دواعي الرّسالة حين اكتمل خلقه قال تعالى ” فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ” ، وخلقه ببلوغ أربعين سنة من عُمُره فأُنزل عليه الوحي لأوّل مرّة وهو يتحنّت في غار حراء يُوجّهه إلى أمر الله العظيم أمرا له ثلاثا بالقراءة يغطيه جبريل حتّى بلغ منه الجهد ثمّ يُرسله قائلا اقرأ فيقول الرّسول ما أنا بقارئ أي لست قارئا يفعل ذلك ثلاثا ثمّ يقول جبريل ” اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ” دعوة ليست بالهيّنة ولا بالسّهلة طريقها فالأمر بالقراءة هو إلفات النّظر إليها بقوّة الضمّ والتغطية يُشير إلى أنّ الأمر المكلّف به الرّسول ليس بالهيّن فلا يتحقّق مُبتغاه ولا يُعطي ثماره إلاّ إذا اقترن بالقراءة والتعلّم والتعليم، المُقرئ والمُعلّم والمُؤدّب هو ربّ العزّة والقارئ هو سيّدنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم النبيّ الأمّي ومن بعده من وَصَـلَـتْـهُم الدّعوة وبَلَغتهم الرّسالة. لقد الرّسول صلّى الله عليه وسلّم في دعوته إلى الله ما يُلاقيه كلّ من يأتي بشيء جديد على عقول النّاس وعلى عوائدهم وما ألِفوه وورثوه، لأنّ الدّعوة تكليف والتّكليف مسؤوليّة وهي تقتضي التحمّل والمُجاهدة والمُصابرة . لاقَى في سبيل ما أُمر به ” فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ” لاقَى من أَلْوان الإيذاء والمُعاناة ما تَندكُّ له الجبال ويُفتّت الصَمّ المُهنّد ومع ذلك بقي صابرا مُتيقّنا بنصر الله. لم يغترّ ولم ينخذل بما عُرض عليه من سيادة على العرب ولا اعطاه المال الوفير ولا الجاه العريض ليكفّ عن تَسْفِيهِ أحلامهم وعيب إلهتِـهم وتقبيح عاداتهم الفرديّة والجماعيّة فمِن أنواع الإيذاء والعنت ما روي أنّ عقبة بن معيط وضع ثوبه في عنق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وخنقه خنقا شديدا وهو يُصلّي في حجر الكعبة ولم يكفّ عنه إلاّ بإنقاذ أبي بكر رضي الله عنه له بدفعه وهو يقول أتقتلون رجلا ان يقول ربّي الله، عن عروة بن الزبير قال، سألت عبد الله بن عمرو بن العاص قال قلت حدثني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال أقبل عقبة بن أبي معيط ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم يصلّي عند الكعبة فلوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا فأقبل أبو بكر رضي الله عنه فأخذ بمنكبيه فدفعه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم ، وكذلك مِن صبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم واحتسابه لله أنّ عقبة بن معيط جاء بِسَلاً جَزُورٍ (والمقصود هنا هو ما يوجد في بطنها “الفِرْت”) فقذفه على ظهر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو ساجد فلم يرفع رأسه حتّى جاءت فاطمة ابنته فأخذته من ظهره ودعت على من فعل ذلك. عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم يُصَلِّي عِنْدَ الْبَيْتِ وَأَبُو جَهْلٍ وَأَصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ وَقَدْ نُحِرَتْ جَزُورٌ بِالأَمْسِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ أَيُّكُمْ يَقُومُ إِلَى سَلاَ جَزُورِ بَنِي فُلاَنٍ فَيَأْخُذُهُ فَيَضَعُهُ فِي كَتِفَيْ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ فَأَخَذَهُ فَلَمَّا سَجَدَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم وَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ قَالَ فَاسْتَضْحَكُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَمِيلُ عَلَى بَعْضٍ وَأَنَا قَائِمٌ أَنْظُرُ. لَوْ كَانَتْ لِي مَنَعَةٌ طَرَحْتُهُ عَنْ ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم وَالنَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم سَاجِدٌ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى انْطَلَقَ إِنْسَانٌ فَأَخْبَرَ فَاطِمَةَ فَجَاءَتْ وَهِيَ جُوَيْرِيَةُ فَطَرَحَتْهُ عَنْهُ. ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَيْهِمْ تَشْتِمُهُمْ فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم صَلاَتَهُ رَفَعَ صَوْتَهُ ثُمَّ دَعَا عَلَيْهِمْ وَكَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلاَثًا. وَإِذَا سَأَلَ سَأَلَ ثَلاَثًا ثُمَّ قَالَ « اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشٍ ». ثَلاَثَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا سَمِعُوا صَوْتَهُ ذَهَبَ عَنْهُمُ الضِّحْكُ وَخَافُوا دَعْوَتَهُ ثُمَّ قَالَ « اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَالْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وَعُقْبَةَ بْنِ أَبِى مُعَيْطٍ ». وَذَكَرَ السَّابِعَ وَلَمْ أَحْفَظْهُ فَوَالَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا صلّى الله عليه وسلّم بِالْحَقِّ لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ سَمَّى صَرْعَى يَوْمَ بَدْرٍ ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى الْقَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ . أيّها الإخوة أمّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إنّ هاته الأمثلة ليست إلاّ مصدرا يسيرا ممّا كان يُلاقيه الرّسول ليُبلّغ رسالة ربّه ليتبّت بها قلوب المؤمنين قائلا لأصحابه ممّن آمنوا به مبكّرا « اصبروا إنّ الله وعدني النّصر » عن خبّاب ابن الإرث قال « أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً وَهْوَ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ، وَقَدْ لَقِينَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً، فَقُلْتُ: يا رسول الله، أَلاَ تَدْعُو اللَّهَ لَنَا ؟ فَقَعَدَ وَهْوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ فَقَالَ : لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بِمِشَاطِ الْحَدِيدِ، مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ. وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ مَا يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ » . قال تعالى ” وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ” صدق الله ونصر عبده فتمّت نعمة الله على عبده فانتشر الإسلام شيئا فشيئا وأمر الرّسول أصحابه بالهجرة إلى الحبشة الأولى والثانية فرار بدِينِهم وخروجا من بلاد لم تعُد دار أمان وسلام يُظهر الله أمره بحسب مراده ووفق علمه ثمّ زادت محنته صلّى الله عليه وسلّم وتوالت بوفاة زوجه خديجة رضي الله عنها وبعدها بشهر ونيّف توفّي عمّه أبو طالب حتّى أطلق رسول الله على هذا العام عام الحُزن ويعظم البلاء وتشتدّ الضّائقة عندما خرج إلى الطّائف يرجو النّصرة من ثـقيف ويلتمس قبول ما جاء به فما كان منهم إلاّ أن أغروا به سفهائهم يسبونه ويرمونه بالحجارة حتى أدموا رجليه فاضطرّه الإعياء والتعب إلى ظل شجرة وابني ربيعة ينظران إليه فلم يعدله ذلك عن رسالته وليس له من مهرب وملجأ إلا الالتجاء إلى الله ذي القوة والجبروت يدعو متضرعا خاضعا يسأله العون والمساعدة يدعوه بهذا الدّعاء المروي في كتب السيرة. عن عبد الله بن جعفر، يقول الرّسول صلّى الله عليه وسلّم « اللّهُمّ إلَيْك أَشْكُو ضَعْفَ قُوّتِي، وَقِلّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النّاسِ يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ أَنْتَ رَبّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبّي، إلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهّمُنِي؟ أَمْ إلَى عَدُوّ مَلّكْتَهُ أَمْرِي؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِك عَلَيّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنّ عَافِيَتَك هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِك الّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظّلُمَاتُ وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَك، أَوْ يَحِلّ عَلَيّ سُخْطُكَ لَك الْعُتْبَى حَتّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِك » .

فاللجاء إلى الله بالضراعة والشكوى لا ينفي عنه صلّى الله عليه وسلّم الصّبر وحُسن التوكّل والاستمساك بما كُلّف به من دعوة الخلق إلى عبادة الخالق ونبذ دعاوي الشرك والإقبال على من له الأمر كلّه المُحيي المميت الفاعل في مُلكه القدير على كلّ شيء. فتضرّعه صلّى الله عليه وسلّم من كمال معرفته بربّه وإخلاص العبوديّة له لأنّ الدّعاء مخّ العبادة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال « الدُّعاءُ مُخُّ العبادةِ » وفي حديث َعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا عَنِ النَّبِيِّ صلّى الله عليه وسلّم قَالَ « إِنَّ اَلدُّعَاءَ هُوَ اَلْعِبَادَةُ » ، « لدى الدّعاء لباس العبودية ينكسر لها القلب وتذلل لها الجوارح وتخشع » للعلم أنّ الذي يصيب هو الذي يكشف الضرّ والسوء ويُذهب الهمّ الغمّ، اشتدّي أزمة تنفرجي وهكذا فلم تدُم الشدّة فأمَر الله رسوله بالهجرة إلى المدينة المنوّرة ليجد الاستقبال الحارّ من قلوب شوقى لرؤيته ونفوس تهفو لمرضاته تتملّى ببهيّ طلعته شاكرة الله على أن خصّها بمن أهّله للدعوة إليه. ومن المدينة خرجت الجحافيل المؤمنة تدكّ معاقل الشرك والكفر واحدة تلوا الأخرى حتّى جاء أمر الله بالفتح والنّصر وفَتحت مكّة ودخلَتْها حاملة لواء التوحيد مكبّرة مهلّلة مسبّحة لذي الجلال والعزّة والجبروت ” وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ” فلم يثأر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لنفسه وقد دانت كلّ القبائل لدعوته وهتفت لكلمة التّوحيد لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله فانصاعت لتعاليم الدّين الحنيف كَسّرت الأوثان ونَبذت العادات الضّالة مسلّمة ومصدّقة ما جاء به إمامها ورسولها وقدوتها فتستشيره وتتعلّم منه أمر دينها لتتطابق أحكام شرعها مع أمور دنياها. فلم يثأر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لنفسه ممن أخرجوه وأصحابه من ديارهم وأموالهم ولِرحمته بالمؤمنين واعتماده على من تكفّل له بالنّصر إذ عرض عليه من ناوءوه وناصبوه العداء وسعوا في فتنته يقول لهم اذهبوا فأنتم الطّلقاء كريم ابن كريم صلّى الله وسلّم عليه وسلام عليك من الله ومن كلّ الخلائق فتتالت الفتوحات لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الكفر هي السفلى. عن عطاء بن أبي رباح والحسن بن أبي الحسن أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم دخل يوم الفتح البيت، فصلّى فيه ركعتين ثم خرج، وقد لبط بالناس حول الكعبة، فأخذ بعضادتي الباب، فقال « الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ماذا تقولون وماذا تظنون؟ » قالوا : نقول خيرا ونظن خيرا، أخ كريم، وابن أخ كريم، وقد قدرت فأسجح قال « فإنّي أقول كما قال أخي يوسف ” لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين “، ألا إنّ كلّ ربا كان في الجاهلية أو دم أو مال فهو تحت قدميّ هاتين إلا سدانة الكعبة، وسقاية الحاج، فإنيّ قد أمضيتهما لأهلهما على ما كانتا عليه، ألا إن الله سبحانه وتعالى قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتكبرها بآبائها، كلّكم لآدم، وآدم من تراب، وأكرمكم عند الله أتقاكم، ألا وفي قتيل العصا والسوط الخطأ شبه العمد الديّة مغلظة مائة ناقة، منها أربعون في بطونها أولادها، ألا إن الله قد حرّم مكّة يوم خلق السموات والأرض، فهي حرام بحرام الله سبحانه، لم تحلّ لأحد كان قبلي، ولا تحلّ لأحد بعدي، ولم تحلّ لي إلا ساعة من نهار » قال : يقصرها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بيده « لا ينفر صيدها، ولا تعضد عضاها ، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد ، ولا يختلى خلاها » فقال له العباس رضي الله عنه وكان شيخا مجربا : يا رسول الله، إلا الإذخر ؛ فإنه لا بد منه للقين ولظهور البيت فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال « إلا الإذخر فإنه حلال » قال : فلما هبط النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بعث مناديا ينادي « ألا لا وصية لوارث، وإن الولد للفراش وللعاهر الحجر ، وإنه لا يحل لامرأة أن تعطي شيئا من مالها إلا بإذن زوجها » . رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

"الخطبة الثانية"

الحمد لله، الحمد لله مُنوّر السموات والأرض، الهادي لنوره من يشاء ممن اصطفى واجتبى، المُتفضّل على خلقه بأن أكرمهم بصفة العبوديّة وحرّرهم من ربقة العبوديّة لغيره، ونشهد أنّه الله الذي لا يخيب من أمله، ونشهد أنّ سيّدنا محمّدا الرّحمة المهداة والطّريق الحقّ المبين صلّى الله عليه وسلّم وعلى الآل والصّحب ومن تبع من أمّته.   عباد الله، يقول الله تبارك وتعالى ” هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا * مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ” . أيّها الإخوة أمّة رسول الله، وإنّ ممّا يجب علينا أن نستخلصه في هذا الشهر العظيم، شهر المكرومات، شهر مولد الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، وشهر بعثته، وشهر هجرته من مكّة إلى المدينة، شهر كهذا جمع كلّ هذه الفضائل فلا ريب أنّه شهر بحقّ شهر الرسول والرّسالة فيحقّ لنا ونحن نحتفل ونتملّى فيه بذكرى شمائل وعظائم هذا الرّسول أن نعلم أنّ السرّ يكمن في قلوبنا، في إيماننا، في عقيدتنا، في متابعتنا، في طاعتنا لله والرّسول أوّلا وأخيرا. فالأمر العظيم يُنبئ عن شيء عظيم مثله، فقدسيّة الذكرى في نفوسنا تدلّ على مدى إيماننا وصِدق عقيدتنا وقوّة عزيمتنا بمتابعة هذا الرّسول الكريم وفي التخلّق بخُلقه البهيّة من صبر وحلم ومجاهدة نفس لأنّنا أمّة مسؤولة أمام الخالق جلّ جلاله عمّا فعلنا وقدّمنا لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الكفر والشرك هي السفلى فنُسال عن ذلك يوم تأتي كلّ أمّة بإمامها فلنجعل هذا كلّه أمام أعيننا طردا للغفلة ورجوعا إلى منبع الدّين الصّافي نغترف منه ونرتوي فلا نشبع ففضائل الدّين لا نهاية لمقامها ولا منزلة محصورة تخصلها فالمؤمن في صدق إيمانه، في إخلاصه بعقيدته، في عدم إدخال ما يشوّش عليه عقيدته في الله وفي رسوله، إيمانه في توكّله على الله، إيمانه في كينونته، عابدا حقّا حتّى يأتيه اليقين. كونوا أيّها الإخوة كما كان رسولكم يدعو إلى دين الله بدون فتور همّة ولا كلل عزيمة ولا ضيق ولا حرج يدعو إلى كلمة التوحيد، فادعوا أنتم أنفسكم وادعوا أهليكم وعشيرتكم ومعارفكم لتقوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة. فالدّعوة إلى الله أمانة في عنق ورقبة كلّ من قال لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، استسهِلوا الصّعب في سبيل قول الحقّ والصّدق استلهاما من قول الله تبارك وتعالى ” ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ” واصبر كما صبروا أولو العزم من الرّسل ” وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ” ” وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ” . هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْه، قَالَ تَعَالَى ] إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [ ويَقُولُ الرسولُ صلّى الله عليه وسلّم « مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً » ، ويقول صلّى الله عليه وسلّم « إنّ أقربكم منّي يوم القيامة في كلّ موطن أكثركم عليَّ صلاةً في الدنيا من صلّى عليَّ في يوم الجمعة وليلة الجمعة قضى الله له مائة حاجة سبعين من حوائج الآخرة وثلاثين من حوائج الدنيا ثم يُوكل الله بذلك ملكا يدخله في قبري كما تدخل عليكم الهدايا يخبرني من صلّى عليَّ باسمه ونسبه إلى عشيرته فأُثبته عندي في صحيفة بيضاء » الصّلاة والسّلام عليك يا رسول الله، الصّلاة والسّلام عليك أيها النبيء الرّؤوف بالمؤمنين، الصّلاة والسّلام عليك أيها الرّحمة المُهداة من ربّ العالمين، الصّلاة والسّلام عليك يا من شرّفه اللهعلى سائر الخلق أجمعين وجعله إماما وقائد الغرّ المحجّلين. اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى، اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَالْعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنَا حُبَّكَ، اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَنسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، اللَّهُمَّ إنَّا نسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، اللهمّ إنّا نستغفرك من كلّ ذنب تُبنا منه إليك ثمّ عُدنا فيه، ونستغفرك من كلّ ما وعدناك به من أنفسنا ولم نُوفّ لك به، ونستغفرك من كلّ عمل أردنا به وجهك فخالَطْنا فيه غيرك، ونستغفرك من كلّ نعمة أنعمت بها علينا فاستعنّا بها على معصيتك، ونستغفرك يا عالِم الغيب والشّهادة من كلّ ذنب آتيناه في ضوء النّهار وسواد الليل في ملإ أو خلاء أو سرّا أو علانيّة، ياحكيم يا ربّ العالمين، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ بَلَدَنَا هَذَا آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ، اللهُمَّ إنَّا نسألُكَ مِنَ الخَيرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نعلمْ، اللهمّ إنّا نعوذُ بِكَ مِن الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نَعلمْ، اللهمّ إنّا نَسألُكَ مِمَّا سَألَكَ بِه سيدُنَا مُحمدٌ صلّى الله عليه وسلّم ونَعُوذُ بِكَ مِمَّا تَعوَّذَ مِنْهُ سيدُنَا مُحمدٌ صلّى الله عليه وسلّم، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ صَلاَتَنَا وَقِيَامَنَا، وَاجْعَلْ جَمِيعَ أَعْمَالِنَا خَالِصَةً لِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ، ولذِكرُ الله أكبر.

-فضل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه و سلم - 11 ربيع الأوّل 1433 هـ / الموافق 3 فيفري 2012 م

" الخطبة الـأولى "

الحمد لله، 
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدّين كلّه سرمداَ ، فكَبَتَ العِدَى وخَساَ من تحيّرَ وطغىَ وتكبَّرَ واعتدىَ. أحمده أن جعلنا من أُمّة هذا النبيّ المصطفى الأمين وكَمّل به الدّين فجعله رحمة للعالمين. ونشكره على ما تفضّل به على هذه الأمّة من التّكريم إذ جعلها خير أمّة أُخرجت للناس بفضل خير نبيّ وهو بكل شيء عليم. وادّخر لها شرف الشّهادة على البشرِ، فجعلها بذلك صاحبة الشّهادة في المحشرِ. 
وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، شهادةً نعترف فيها لجلاله بالوحدانيّة والتّفرّد والكمال والمجد والتنزّه عن الشّبه والتّعدّد. اللهمّ إنّا نسألك في ضراعة أن تثبّتنا على التّوحيد في الدّنيا وعند النّزع ويوم تقوم السّاعة. ونشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبدك ونبيّك ورسولك خَتَمْتَ به الرّسالة وأكرمته بالتّأيـيد وفَـضَّـلْـتَهُ مُصطَفىً على جُملة العبيد، وقُلت فيه ” إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ” اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه صلاةً تزيد إلى عِظم قدره كمال التّمجيد وتقمع كلّ حاسد لزكيِّ فضله من ماجد عنيد وشيطان مَريد. اللهمّ زِدنا لذاته الكريمة حبّاً، وزِدنا به تعلّقا ومن سُنّته قُربا، اللهمّ أغدق من صلواتك عليه وسلامك ما يُرضيك ويُرضيه وتَرضى به عنّا، آمين (3) يا ربّ العالمين. 
أمّا بعد، 
فيا عباد الله، إنّ فضل الصّلاة على رسول الله لا تَبلَغُه العقول ولا تَسَعه الدّفاتر يكفي فيه الآية الكريمة ويكفي فيه الحديث الواحد. فقد روَى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرَ صَلَوَاتٍ وَحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطِيئَاتٍ وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ » . 
انظروا إخواني لمن صلّى الله عليه عشر مرّات أو مرّة واحدة ما يكون مآله ؟؟ حسب رأيكم ؟ وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ « يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ، اذْكُرُوا اللَّهَ، جَاءَتْ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ » قَالَ أُبَيٌّ قُلْتُ، يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي ؟ فَقَالَ « مَا شِئْتَ » قَالَ قُلْتُ، الرُّبُعَ ؟ قَالَ « مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ » قُلْتُ، النِّصْفَ ؟ قَالَ « مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ » قَالَ قُلْتُ، فَالثُّلُثَيْنِ ؟ قَالَ « مَا شِئْتَ، فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» قُلْتُ، أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا ؟ قَالَ « إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ » وفي رواية « إذا يكفيك الله همّك » . انظر هذه الكفاية بفضل هذه الصّلاة. وعن أبي بكر الصدّيق رضي الله عنه، قال الصّلاة على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أمحق للذنوب من الماء البارد للنار والسّلام عليه أفضل من عتق الرّقاب . هذا من الصدّيق الأكبر رضي الله عنه آمين. 
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم « إنّ البخيل كلّ البخيل من ذُكرت عنده فلم يصلِّ علىَّ » . وممّا روى الإمام الشّافعي وأَبا هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُما أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم قال « مَنْ نَسِىَ الصَّلاَةَ عَلَىَّ خُطِّئَ بِهِ طَرِيقُ الْجَنَّةِ » . هذا إخواني وما وَرد في فضلها الكثير الكثير.

وأمّا المَوَاطِن التي تُشرَّعُ فيها الصّلاة عليه صلّى الله عليه وسلّم، فمنها : 
- التشهّد الأخير وهي واجبة فيه، ومنها التشهّد الاوّل وهي سُنّة فيه وأقلّها اللهمّ صلِّ على محمّد. 
- ومنها خطبتا الجمعة، فلا تصحّ إلاّ به. 
- ومنها عقب الآذان لما رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال « إذا سمعتم المؤذِّنَ فقولوا مثلَ ما يقولُ ثم صلُّوا علىَّ فإنَّه مَنْ صلى علىَّ صلاةً صلى اللهُ عليه بها عشرًا ثم سلوا اللهَ لي الوسيلةَ فإنِّها منزلةٌ في الجنةِ لا تنبغي إلا لعبدٍ من عبادِ اللهِ وأرجو أنْ أكونَ أنا هو فمن سأل لي الوسيلةَ حلتْ عليه الشفاعةُ » . 
- ومنها عند دخول المسجد والخروج منه، عَنْ فَاطِمَةَ رَضي الله عنها قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ يَقُولُ « بِسْمِ اللَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ » وَإِذَا خَرَجَ قَالَ « بِسْمِ اللَّهِ وَالسَّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِك » . 
- ومنها صلاة الجنازة، فإنّ السُنّة أن يقرأ الفاتحة بعد إحدى التكبيرات وأن يُصلّي على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ويدعو للميّت أو يقول، بسم الله الحمد لله والصّلاة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم. 
- ومنها عند الاجتماع والتفرّق لما روى التّرمذي عن أبي هريرة أنّه صلّى الله عليه وسلّم قال « مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ» والتّرةُ : هو النّقص والحسرة. وعن أبي سعيد قال ما من قوم يقعدون ثمّ يقومون ولا يصلّون على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلاّ كان عليهم حسرةً وإن دخلوا الجنّة لما يرون من الثّواب لمن يُصلّي عليه. اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد عبدك ونبيّك ورسولك النبيّ الأمّي وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

 

"الخطبة الثانية"

الحمد لله وكفى والصّلاة والسّلام على المصطفى وعلى آله الأبرار وصحابته الأخيار والخير كلّ الخير لمن اتّبعه من أُمّته والويل كلّ الويل لمن كذّبه من الكفّار والفجّار. عباد الله، إنّ من جملة ما ورد في فضل وفوائد الصّلاة على النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم. 
- ومنها عند الصّباح والمساء لما روى الطّبراني من حديث أبي الدّرداء عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال « من صلَّى عليَّ حين يصبح عشرًا وحين يُمسى عشرًا أدركته شفاعتي يوم القيامة ». 
- ومنها عند الوضوء لحديث ابن ماجة عن سهل بن سعد قال، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم « لا وضوء لمن لم يصلّي على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم». 
- ومنها عند نسيان الشيء لحديث أنس عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم « إذا نسيتم شيئا فصلّوا عليَّ تَذْكُرُوهُ إن شاء الله تعالى » . 
- ومنها عند قبره الشريف صلّى الله عليه وسلّم لحديث أبي داود عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال « ما من أحد يسلّم عليَّ إلاّ ردّ الله عليَّ روحي حتّى أردَّ عليه السّلام » وروى بن عساكر « من صلّى عليَّ عند قبري سمعته ». 
- ومنها الإكثار منها يوم الجمعة وليلتها فعن أوس بن أوس الثقفي قال، قال صلّى الله عليه وسلّم « إِنَّ مِنْ أَفْضَلِ أَيَّامِكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِيهِ خُلِقَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلَام وَفِيهِ قُبِضَ وَفِيهِ النَّفْخَةُ وَفِيهِ الصَّعْقَةُ فَأَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنْ الصَّلَاةِ فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ » قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تُعْرَضُ صَلَاتُنَا عَلَيْكَ وَقَدْ أَرَمْتَ، أَيْ بَلِيتَ، قَالَ « إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَام » . 
- وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال « الصلاة علىَّ نور على الصراط فمن صلّى علىَّ يوم الجمعة ثمانين مرّة غُفرت له ذنوب ثمانين عامًا » .   اللهمّ اغفر لنا وارحمنا واسترنا ووفّقنا لكثرة الصّلاة على رسولك صلّى الله عليه وسلّم. جعلني الله وإيّاكم من المحبوبين المصطفين الأخيار باتّباع هُدى سيّدنا محمّد وبالصّلاة على هذا النبيّ المختار. اللهمّ ارضى عن أصحاب رسولك وخُلفاء نبيّك القائمين معه وبعده على النّهج القويم الذي استنّه وارتضاه وخاصّة الخلفاء الأربعة أبو بكر وعُمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين. اللهمّ انصر من نصر الدّين واخذل من خذل المسلمين. اللهمّ اجمع كلمة المسلمين كافّة ووحّدهم لنصرة الحقّ المُبين. اللهمّ احفظ بلادنا وسائر بلاد المسلمين. اللَّهُمَّ اجْعَلْ بَلَدَنَا هَذَا آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ. اللهمّ اشف مرضانا وارحم موتانا وخذ بأيدينا جميعا إلى ما تحبّه وترضاه. اللهُمَّ إنَّا نسألُكَ مِنَ الخَيرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نعلمْ. اللهمّ إنّا نعوذُ بِكَ مِن الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نَعلمْ. اللهمّ إنّا نَسألُكَ مِمَّا سَألَكَ بِه سيدُنَا مُحمدٌ صلّى الله عليه وسلّم ونَعُوذُ بِكَ مِمَّا تَعوَّذَ مِنْهُ سيدُنَا مُحمدٌ صلّى الله عليه وسلّم. وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين. اذكروا الله يذكركم، وأقم الصّلاة.

-مَـحَـبّـة رسول الله صلى الله عليه و سلم - 25 ربيع الأوّل 1433 هـ / الموافق 17 فيفري 2012 م

" الخطبة الـأولى "

الحمد لله، 
الحمد لله الذي بعث رسوله بالحق وجعله رحمةً وأمنا وسلاما لمن اتّبعه واقتدى به، ونشهد أنّه الله المتصرّف بحِكمته بمُقتضى متطلّبات ألوهِـيَّـته، أَدخل في رحمته باسم الرّحمن كلّ مخلوق له من غير تمييز لغِناه المُطلق وافتقار غيره إليه، ونشهد أنّ سيّدنا محمّدا أتمّ من عرف ربّه فتعلّق بذاته العليّة لصفة الاجتباء الأزليّة فيه، صلّى الله وسلّم عليه وعلى آله المطهّرين وأصحابه المقرّبين وأتباعه الذين برّوا الله ورسوله فأتحفهم بما أتحف به الأبرار من عباده الصالحين المصلحين. من يُطع الله ورسوله فقد رشد واهتدى ومن يعص الله ورسوله فقد غوى واعتدى. عباد الله، 
يقول الله تبارك وتعالى ” قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ” . 
أيّها الأخوة، 
مقام المحبّة مقامٌ عظيم لا يحظى به إلاّ من أهّله الله بعطائه وخصّه بنفحاته الربّانيّة فالإيمان بالله وبالرّسول لا يستقيم في القلب ولا يثبت ليترتّب عليه الجزاء الحسن والمغفرة والرّضوان من الله ما لم يكن إيمانا كاملا إيمانا شرعيّا أي الإيمان بالله وبرسوله طاعةً وإتباعا وامتثالا ومحبّةً لرسوله كحبّ الله له، فالله لم يشأ أن يكلّف عباده بما لم يعرفوه أو يجهلوه ففضلا منه وكرما وعدلا بعث رسوله المجتبى في مرتبة الوحدانيّة لما تعلّقت المشيئة الربّانيّة بأنّ رسوله محمّدا صلّى الله عليه وسلّم هو الواسطة العظمى والبرزخ الذي به يحصل التعريف بوجود الله عقلا وشرعا وبه يقع العلم بأنّه المعبود بالكيفية التي يُـبلِّغها الرسول استنادا إلى وحي الله وتعليمه اللّدني. ولهذه النسبة والاعتبار قال الله تعالى ” قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ “. نزلت في من زعم التفريق بين محبّة الله وبين الإعراض عن رسوله أنّ الطريق إلى الله في الاعتراف برسالة رسوله محمّد وإتباعه بعده بسلوكِ أمره ونهيه فالإتباع للرسول هو الإيمان بالله وبرسله وبكتبه والاستنكاف عنه هو الكُفر بعينه ولو أقرّ المُقِرّ بوجود الله وبربوبـيّته ووحدانيّته فإنّ ذلك لا ينفعه ولا يُغني عنه من الله شيئا لأنّه أنفت نفسه عن الاعتراف والشهادة بالرّسول الموحى إليه من ربّه ليُبلّغ ما أُمر به تبشيرا للمهتدين ونذيرا للفارّين الخارجين عن الطاعة والامتثال. 
فإتباع الرسول صلّى الله عليه وسلّم يقتضي محبّته المحبّة القلبيّة التي التعلّق بالمعنى الأخصّ وهذه تستلزم إيثار الرّسول صلّى الله عليه وسلّم بتقديم أمره على كلّ أمر ونهيه على كلّ نهي. 
وتعليما من الله لنا أنّ لا وصول إلى الله إلاّ بواسطته صلّى الله عليه وسلّم، ولا طاعة تُقبل إلاّ عن طريق ما وَصّـلَه رسوله إلى خلقه.

يقول الله تبارك وتعالى ” قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ” فإيثار محبّة رسول الله والتعلّق بجنابه الشريف على الأموال والأولاد والآباء والأبناء والتجارة والمتاع والرياش والنعيم وغيرها هو عهد الإيمان والميثاق الذي واثق به الله كلّ من دخل في الحضرة المحمّديّة والشريعة الأحمديّة. فعَنْ أَنَس أَيْضًا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ” لَا يُؤْمِن أَحَدكُمْ حَتَّى أَكُون أَحَبّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِده وَوَلَده وَالنَّاس أَجْمَعِينَ ” فهذا الحديث تصريحا ومضمونا ومفهوما ودلالة يُرشدنا إلى أنّه دون تقديم طاعة الله ورسوله ومحبّته وإيثاره على كلّ ما يتعلّق بشغاف القلوب من الولد والوالد والمال والعالم كلّه، إنّما هو إيمان ظاهر أي إسلامه تُظهره الجوارح وليس إيمانا صادقا خالصا مستحقّا لصاحبه لرضا الله ومحبّته وتقريبه وتقوية روح هذه المحبّة وجعلها شفّافة تُفصح عن نفسها، أيّها المؤمن المتّبع المطيع، ففي الأحاديث وفي الآيات البيّنات الكثير ممّا يُرشدنا إلى أنّ لا خير يُنال ولا رضاً من الله يُطال العبد ولا صفة تُرتجى ولا مزيدا من الله في دار الخُلد لمن أغفل جانب هذا الرسول المعظّم من الله ومن ملائه. 
عَنْ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ عَنْ جَدِّهِ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا نَفْسِي فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ عِنْدَهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ ” قَالَ عُمَرُ فَلَأَنْتَ الْآنَ وَاللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” الْآنَ يَا عُمَرُ ” ، أي الآن تطهّرت وكمُل إيمانك واستقامت أحوالك وصِرت حقّا من المقرّبين الرّاسخين ممّن يبتغون رضا الله ويفوزون بمحبّة رسوله. ولو شئنا أن نأتي بالآيات والأحاديث المُفصحة عن هذه المحبّة والإتباع لأطلنا عليكم ولما وسعنا هذا الوقت ولكن يجب علينا وجوبا شرعيّا وعقليّا التعلّق بجناب ذي الجاه العظيم بالاعتقاد أنّ سيّدنا محمّدا صلّى الله عليه وسلّم المتصرّف المطلق حيّا وميّتا أنّه باب الله العظيم الذي من يلِجه بصدق وحسن اعتقاد وتسليم وعدم وجود كزازة نفس وضيق وحرج يجد حلاوة الإيمان وبشاشة الإحسان وينزل منزلته مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين. 
ومن لم يعتقد ما ذُكر ويعمل إليه فليس لله فيه حاجة ولا ينال إلاّ الأعراض والصدّ والطّرد من حضرة القُدسِ. فتمسّكوا وفّقكم الله بولاية هذا الرسول عليكم وأحبسوا أنفسكم في طاعته ومَرضاة خالقه فإنّ لا خير يصل إلى الخلق إلاّ على يديه فالله المُعطي وهو القاسم صلوات الله وسلامه عليه، قال صلّى الله عليه وسلّم ” أنا أبو القاسم الله معطي وأنا القاسم أنا رسول من أدركته حيّا ومن يولد بعدي “. 
اللهمّ اجعلنا من المطيعين المحبين لرسولك وحبيبك المتبعين لشريعته وسنّته قولا وعملا ومعاملة وسلوكا وأغدق علينا يا مولانا من أنوارك القدسيّة ونفحاتك الربّانيّة ما تجلي لنا بها عن معاني وحقيقة سيّدنا محمّد الذي فضّلته على سائر خلقك وخلقته من نورك وجعلت أسماء المؤمنين في يمينه وأسماء الأشقياء في يساره. 
ربّنا آتنا في الدّنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. 
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

"الخطبة الثانية"

الحمد لله، 
الحمد لله الذي اصطفى من أحبّ ليكون محبوبا قائما بأمره في خلقه وكرمه بالتعظيم والترفيع والاجتباء قدوة لمن تلقّوا عنه علم ربّهم ومعرفة خالقهم فيعظمونه بتعظيم الله له مع الأهل والذرية والآل، ونشهد أنّه الله لا إله إلاّ هو عالم الغيب والشهادة، ونشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله صلّى الله وسلّم عليه وعلى الآل والصّحب والتابعين بالإحسان. عباد الله، إذا كانت طاعة رسوله في محبّته، ومحبّته بحبّ الله له فإنّ محبّة عترة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من الآل والأزواج والذريّة هي محبة الصدق لرسول الله وله لا يكتمل إيمان مؤمن إلاّ إذا تعلّق قلبه شغفا برسول الله وتوجّهت همّته لالتماس حبّ من أحبّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ممن عاشرهم وأحبّهم وأشركهم في دعائه لهم بالتطهير والتزكية وعلوّ المقام. يقول الله تبارك وتعالى ” إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ” فأهل بيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هم أهل مسكنه، أزواجه أمّهات المؤمنين وقرابته من مؤمني بني هاشم وبني عبد المطّلب وأهل نسبه ممن تنسّل من بناته سيما فاطمة الزهراء رضي الله عنها زوجة ابن عمّه علي ابن أبي طالب كرّم الله وجهه. إنّ معرفة آل محمّد براءة من النار. فعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال ” معرفة آل محمد صلى الله عليه وسلّم براءة من النار وحب آل محمد جواز على الصراط والولاية لآل محمد أمان من العذاب ” ورُوي عن زيد بن أرقم قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم ” أنشدكم الله في أهل بيتي ” قيل لزيد : ومن أهل بيته ؟ قال : الذين يحرمون الصدقة آل علي وأل العباس وآل عقيل وآل جعفر عَنْ عَلِيِّ كرّم الله وجهه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ بِيَدِ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَالَ ” مَنْ أَحَبَّنِي وَأَحَبَّ هَذَيْنِ وَأَبَاهُمَا وَأُمَّهُمَا كَانَ مَعِي فِي دَرَجَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ” وفيما رُوي عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ” إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَحَدُهُمَا أَعْظَمُ مِنْ الْآخَرِ كِتَابُ اللَّهِ حَبْلٌ مَمْدُودٌ مِنْ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ وَعِتْرَتِي أَهْلُ بَيْتِي وَلَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا ” وعتره هم عصبته أهله من قبل الآباء والأجداد الذين حرموا الصدقة، فاحفظوا رعاكم الله وُدَّ رسول الله بتعظيم الشرفاء من أهل بيت رسول الله فإنّ محبّتهم وتوقيرهم وإجلالهم من تمام الإيمان بل هو الإيمان نفسه مصداقا للأحاديث المذكورة وعظّموا ما عظّم الشرع وأحسنوا الظنّ بالله وبعباده فإنّ حسن الظنّ بالله وبعباده خلتان من الخير لا يعلوهما خير. وفّقنا اللهم جميعا إلى طاعة الله ورسوله وتعظيم آل بيته لننال القربى والأمان في الدّارين. اللهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد الفاتح الخاتم وعلى آله الطيبين الطاهرين صلاة وسلاما دائمين بدوام ملك الله العظيم وارض اللهمّ عن أصحاب رسولك وخلفاء نبيّك القائمين معه وبعده على النهج الذي ارتضاه واستناه خصوصا الخلفاء الأربعة والعشرة المبشرين بالجنة وارض اللهمّ عن آل بيت نبيّك الطيبين الطاهرين وعن أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين اللهمّ انفعنا بمحبتهم واحشرنا يا مولانا في زمرتهم اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَالْعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنَا حُبَّكَ، اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى، اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَنسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، اللهمّ إنّا نستغفرك من كلّ ذنب تُبنا منه إليك ثمّ عُدنا فيه، ونستغفرك من كلّ ما وعدناك به من أنفسنا ولم نُوفّ لك به، ونستغفرك من كلّ عمل أردنا به وجهك فخالَطْنا فيه غيرك، ونستغفرك من كلّ نعمة أنعمت بها علينا فاستعنّا بها على معصيتك، ونستغفرك يا عالِم الغيب والشّهادة من كلّ ذنب آتيناه في ضوء النّهار وسواد الليل في ملإ أو خلاء أو سرّا أو علانيّة، ياحكيم يا ربّ العالمين، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ بَلَدَنَا هَذَا آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ، اللهُمَّ إنَّا نسألُكَ مِنَ الخَيرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نعلمْ، اللهمّ إنّا نعوذُ بِكَ مِن الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نَعلمْ، اللهمّ إنّا نَسألُكَ مِمَّا سَألَكَ بِه سيدُنَا مُحمدٌ صلّى الله عليه وسلّم ونَعُوذُ بِكَ مِمَّا تَعوَّذَ مِنْهُ سيدُنَا مُحمدٌ صلّى الله عليه وسلّم، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ صَلاَتَنَا وَقِيَامَنَا، وَاجْعَلْ جَمِيعَ أَعْمَالِنَا خَالِصَةً لِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ، ولذِكرُ الله أكبر.

-الانفاق في سبيل الله - 2 ربيع الثاني 1433 هـ / الموافق 24 فيفري 2012 م

" الخطبة الـأولى "

الحمد لله، 
الحمد لله المُـنعِـمُ الدّائمُ الإنعامِ، المُعطي فضلا لمن يشاءُ من الأنامِ، المانعُ حِكمةً من يشاءُ من الثقلانِ، سبحانه الكريم الجوّاد وسعت رحمته المؤمن والكافر والطّائع والعاصيِ. ونشهد أنّه الله الحيّ القيّوم على أمر السموات والأراضين والعبادِ، القائل في مُحكم الآياتِ ” لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ” . ونشهد أنّ سيّدنا محمّدا أفضل من جادَ، المُنفق الذي لا يخشى فقراَ، المتصدّق بما كسب واقتنىَ، يبيت على الطوىَ ، يرضى من العيش بالقليل وهو المتصرّف المؤذن له في القسم والاعطاء، القائل مما تلقّى من ربّ العُلى « مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِى تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى » صلّى الله عليه وعلى آله أُولي الشّرف والعفّة وأصحابه ذوي النجدة والرّفعة والتابعين لهم في منهج الخير بالاستقامة والتقوى والهُدى. أما بعد، أيها الناس أوصيكم ونفسي بتقوى الله تعالى، فإنّ من اتقى الله فَـتَحَ الله له البلاد والعباد. ومن اتقى الله كفاه، ومن اتقى الناس لن يُغنوا عنه من الله شيئًا. أوصيكم ونفسي بتقوى الله التي لا يُـقبل غيرها، ولا يُرحم إلا أهلها، ولا يُـثيب إلا عليها، الواعظون بها كثير، والعاملون بها قليل، جعلنا الله وإياكم من المتقين. عباد الله، ورد في كتاب الله العزيز من الآيات الحاثّة على الانفاق في سبيله والإحسان للمحتاجين من الضعفاء والمعاقين ممّن أصيبوا بعاهات خلقيّة أو طارئة واقتران الانفاق بالعبادة البدنيّة الخالصة له في الكثير من الآيات، حتّى أنّ الانفاق جاء مُكمّلا للعبادة والإحسان، إذ قال تعالى ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ” ، بل أنّ الانفاق في سبيل الله من أخصّ العبادة الماليّة التي بها تزكو القربى إلى الله وبدونها لا يرفع عمل مُـقـتَـرٌ ، ويتجلّى هذا المعنى واضحا في قول الجليل المتعال ” لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ” . إنّ المال أيها الأخوة هو مال الله أودعه أمانة بين يدي من يشاء من عباده لينفقوه في وجوه البرّ والخير ولِيستعينوا به على طاعة الله وينفقوه بالمعروف والتصدّق منه تطوّع أو زكاة مفروضة على المحتاجين من مخلوقات الله ممن لا يجدون غنى يغنيهم ولا كفافا يحصّنهم ويحفظ لهم ماء وجوههم ولا قوّة في البدن تساعدهم على الكسب الحلال، ولم يتركنا الله عزّ وجلّ غافلين عن هذا بل يذكّرنا دائما بقوله الحكيم وبواسطة نبيّه الكريم إذ قال من جملة ما قال في هذا المعنى ” وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ ” ، وقال تعالى ” وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا ” ، فلا يغترّ الانسان بكثرة المال وليتّق الله في انفاقه ولا ينسى حظّ إخوانه في هذا المال الذي هو ليس مِلكه إنّما هو مُلك لله الواحد القهّار، إذ تُبيّن لنا هذه الآيات أنّ الانفاق ومساعدة المحتاجين بأنواعهم أنّما هو واجب وفرض على كلّ مسلم ومسلمة، وعن عبدِ الله بن الشِّخِّيرِ قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم « يَقُولُ ابْنُ آدَمَ مَالِي، مالي، وَهَلْ لَكَ يَا ابْنَ آدَمَ مِنْ مَالِكَ إِلاَّ مَا أكَلْتَ فَأفْنَيْتَ، أَو لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ » ، فأمّا الاولى والثانية فهي لدار الفناء وأمّا الثالثة فهي لدار البقاء. فما أودعه الله بين يديك، أخي، من مال أمرك بإجراء النفقة منه وبواسطتك على الذين غلبهم الزّمان وساء بهم الحال إمّا لضعف في الصحّة وإعاقة في الجسم أو لغلبة فقر ورتَّب على ذلك الانفاق جزاء مضاعفة الأجر وعظيم الثواب، يقول الله تبارك وتعالى ” مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ” ، ضرب الله لنا مثلا في مضاعفة الأجر بالسنبلة من الزرع أصلها حبّة واحدة زُرعت فأخرجت سبع سنابل وكلّ سنبلة تحمل مائة حبّة من الزرع مقابل تلك الحبة الواحدة التي بذرها في الأرض ليضاعفها الله لك سبعمائة مرّة جزاء عملك الصّالح المتقن فكذلك ما تنفقه وتُقرضه لمولاك فإنّما نفقته تعود عليك بأثقال ميزانك وتثبيت حسناتك وإذهاب سيّئاتك كما قال الله سبحانه وتعالى ” إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ” .

أيّها الاخوة فما أخرجتم من أموالكم شيئا ولو أنكم تضنون أنّه يسيرا هيّنا، تؤمُون به الفقراء والمساكين والمعاقين تبتغون وجه الله الكريم، إلاّ تنالون أفضل ما يناله الطالبون ويرغب فيه المتّقون المحسنون، إنّ طلك يُقابل من الله الحيّ القيّوم بإحسان منه وفضل تُضاعف به الحسنات وتُمحى السيّئات فالصّدقة تنمو وتزداد عند الله كما يربّي الرجل فصيله أو أنعامه حتّى يَكثروا بالنسل والعناية والرّعاية، كذلك الصدقة تخرج من مال طيّب هي كذلك يربيها الله ويذخر أجرها وثوابها إلى يوم تلقاه، عَنْ عَائِشَةَ رَضيَ الله عَنهاَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ « إِنَّ اللَّهَ لَيُرَبِّي لِأَحَدِكُمْ التَّمْرَةَ وَاللُّقْمَةَ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ أُحُدٍ » . فهذا مثال لعظم الأجر وجزيل الثواب وهو فضل عظيم من كريم حنّان يريد لعباده أن يتّصفوا بصفة الرّحمة هذه الصّفة التي تجلّى بها سبحانه وتعالى على مخلوقاته كلّها وبها وقع الخلق والإيجاد، وباسم الرّحيم كتبت ورحمتي سبقت غضبي، وباسم الرحيم وسعت رحمته الطّائع والعاصي والإنس والجنّ والناطق والغير الناطق من كلّ مفعول لله. وأنت أيها المستخلف في مال الله فأرب هذا المال بالإحسان فيه وحسن تدبيره وتسييره ولا يحصل ذلك إلاّ بمقاومة صفة الشحّ الذميمة الممقوتة عند الله، قال تعالى ” وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ” . والتحلّي بصفة الجود والكرم والعطاء لتنفق مالك في الأوجه المشروعة كالإنفاق على الأهل والأقارب وذوي الحاجات والعاهات والعيال وإعانة إخوانك عند الأزمات والتصدّق منه على من يستحقّ التصدّق عليه لإنقاذ ماء وجهه أو ستر عورته أو شفاء مرضه أو أداء دين عليه أو مساعدته على السعي لطلب العلم الواجب لإصلاح دينه وحفظ شرع ربّه. عَنْ أَنَسٍ رَضيَ الله عَنهُ قَالَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « الْخَلْقُ كُلُّهُمْ عِيَالُ اللهِ وَأَحَبُّهُمْ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِعِيَالِهِ» فانظروا نظرة رحمة إلى اخوانكم ممن أصابتهم مصيبة عاقتهم عن الكسب وأفقدتهم القدرة على العمل فارعوهم وتحببوا إليهم وساعدوهم. فاتّقوا الله عباد الله واغتنموا غناكم قبل فقركم فإنّ في اغتنام الفرص الوصول وفي تضييعها الندامة من حيث لا ينفع الندم حتى لا تقول عند الوقوف بين يدي العليم الخبير ” مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ” ، ماذا ينفعك مالك اذ لم تجده مذّخرا لك عند خالقك يُعلي درجاتك عند رفيع الدرجات. وهذا حبيبك المصطفى يندبك ويحثّك على المسارعة إلى فعل الخيرات والسبق إلى المبرّات مبيّنا لك ثمرة عملك الصالح، عن أبي سعيد الخُدريّ رضي الله عنه قال، قال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم « أيُّما مؤمن أطعمَ مؤمنا على جُوع أطعمه الله يوم القيامة مِن ثمار الجنة، وأيُّما مؤمن سقى مؤمنا على ظمإ سقاهُ الله يوم القيامة من الرحيق المختوم، وأيُّما مؤمن كسى مؤمنا على عُرْي كَساهُ الله يوم القيامة من حُلل الجنة » . أقول قولي هذا وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم ولوالدينا ووالديكم وجميع مشائخا ومن علّمنا فاستغفروه انّه الغفور الرحيم ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

"الخطبة الثانية"

الحمد لله، الحمد لله الغنيّ بذاته وصفاته عمّن سواه المفتقر إليه كلّ من عاداه القائل جلّ علاه ” يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ” ، نشهد أنّه الله الباقي على الدّوام ذو الغنى المطلق، ونشهد أنّ سيّدنا محمّدا عبده ورسوله القائم بحقّ الله العادل في نفقاته وعطائه صلّى الله عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان. عباد الله، إنّ النّفقة المُراد بها وجه الله هي النفقة التي تُدفع للمستحقّين لها الذين لا يسألون الناس ولا يلحّون في السؤال أو أنّهم لا يتعرّضون أصلا ولكنّ حالتهم الظاهرة وانكسارهم المعنوي الباطني يُنبئ عن حالهم مُفصحا عن شدّة عوزهم، إنّهم يصونون ماء وجوههم عن التعرض للمسألة مخفيين حالهم عن الناس في تعفّف وعزّة نفس يُعرفون بسيماهم من صفاتهم الظاهرة بلباسهم وحالهم ومقالهم يعرفهم المؤمن بفراسته الصادقة التي لا تُخطئ فهم الأحق والأولى بالتوجّه إليهم بالعطاء والإحسان إليهم لما لهم في نفوسهم من عزّة وكرامة وأنفة عن التعرّض للسؤال، إذ وصفهم الله تعالى في القرآن الكريم بقوله ” لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ” . وفي معنى هذا ما جاء عَن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ « لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ فَتَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ قَالُوا فَمَا الْمِسْكِينُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ وَلَا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا » . إنّ النفقة أيها الأخوة والتوسعة فيها أجلّ العبادات المقبولة والمُجازى عليها أحسن الجزاء بل يُضاعف لصاحبها الأجر، الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبع مائة ضعف إلى ما لا نهاية. وفي هذا السياق يجب أن لا ننسى إخواننا الدين حلّت بهم الكوارث الطبيعيّة وأصبحوا معزولين وغير قادرين على العمل والكسب في مناطق الشمال الغربي، فوجب علينا إعانتهم كلّ على قدر طاقتهم حتّى نحفظ لهم كرامتهم وماء وجوههم إلى أن يتجاوزوا هذه الأزمة، وهذه فرصة لنا إخواني على فغل الخيرات وامتحان لنا من الله لنرى هل نحن نطيعه أم يجب علينا الزيادة في العمل وإخلاص الدين لله، ويجب ألاّ يحتقر كلّ منّا من عمله شيء فكلّنا نعلم الحديث الصحيح عن أبي هريرة « غفر لامرأة مُومِسة مرت بكلب على رأس رَكِى يلهث كاد يقتله العطش فنزعت خفها فأوثقته بخمارها فنزعت له من الماء فغفر لها بذلك » ، فلا تدري أخي بأيّ عمل يغفر الله لك. عباد الله، الخير كلّ الخير لمن طال عمره وحسن عمله في الرحمة بعباد الله سواء من هم من تحت مسؤوليته أو الغير، فالنفقة عليهم سواء إذا أريد بها وجه الله وابتغاء ما عنده بزيادة الأجر وترفيع المقام وإنافة الدرجات بل حتى النفقة على الأهل أو الزوجة وما تكسبه من حلال لتقوت به العيال هو أيضا مما يبتغى به وجه الله ومما يرفع الدرجات ويعلي المقامات بالقرب من الله في العرصات وفي الجنات. فاغملوا إخواني وأنفقوا من مال الله الذي آتاكم وأطيعوا الله ورسوله لعلّكم تفلحون. جعلني الله وإيّاكم ممن اعتنى بهم جل جلاله فقال في حقّهم ” فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ” وأعاذني الله وإيّاكم ممن طردهم من رحمته وحقت عليهم كلمته حيث قال ” وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى ” .   اللهمّ إنّا نسألك اليسرى في الصحة والغنى ونعوذ اللهمّ بك من المنع بعد العطاء وأجرنا يا ربّنا من عذابك بتوفيقنا إلى موجبات مغفرتك ورضوانك واحشرنا اللهمّ في زمرة من قلت فيهم وقولك الحقّ ” إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ ” . هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْه، قَالَ تَعَالَى ] إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [ الصّلاة والسّلام عليك يا رسول الله، الصّلاة والسّلام عليك أيها النبيء الرّؤوف بالمؤمنين، الصّلاة والسّلام عليك أيها الرّحمة المُهداة من ربّ العالمين، الصّلاة والسّلام عليك يا من شرّفه الله على سائر الخلق أجمعين وجعله إماما وقائد الغرّ المحجّلين. اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، اللهم اجعلنا من التوابين واجعلنا من المتطهرين اللهم إنا نسألك فعلَ الخيرات وتركَ المنكرات وحبَّ المساكين وأن تغفر لنا وترحمنا وتتوب علينا وإذا أردتَ بعبادك فتنة فاقبضنا إليك يا أرحم الراحمين اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى، اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ وَالْعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنَا حُبَّكَ، اللَّهُمَّ إِنِّا نسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَنسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتِكَ، اللَّهُمَّ إنَّا نسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، اللهمّ إنّا نستغفرك من كلّ ذنب تُبنا منه إليك ثمّ عُدنا فيه، ونستغفرك من كلّ ما وعدناك به من أنفسنا ولم نُوفّ لك به، ونستغفرك من كلّ عمل أردنا به وجهك فخالَطْنا فيه غيرك، ونستغفرك من كلّ نعمة أنعمت بها علينا فاستعنّا بها على معصيتك، ونستغفرك يا عالِم الغيب والشّهادة من كلّ ذنب آتيناه في ضوء النّهار وسواد الليل في ملإ أو خلاء أو سرّا أو علانيّة، ياحكيم يا ربّ العالمين، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْ بَلَدَنَا هَذَا آمِنًا مُطْمَئِنًّا وَسَائِرَ بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ، اللهُمَّ إنَّا نسألُكَ مِنَ الخَيرِ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نعلمْ، اللهمّ إنّا نعوذُ بِكَ مِن الشَّرِّ كُلِّهِ عَاجِلِهِ وآجِلِهِ مَا عَلمْنَا مِنهُ ومَا لَمْ نَعلمْ، اللهمّ إنّا نَسألُكَ مِمَّا سَألَكَ بِه سيدُنَا مُحمدٌ صلّى الله عليه وسلّم ونَعُوذُ بِكَ مِمَّا تَعوَّذَ مِنْهُ سيدُنَا مُحمدٌ صلّى الله عليه وسلّم، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ صَلاَتَنَا وَقِيَامَنَا، وَاجْعَلْ جَمِيعَ أَعْمَالِنَا خَالِصَةً لِوَجْهِكَ الْكَرِيمِ. 
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ 
اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاسْتَغْفِرُوهُ يَغْفِرْ لَكُمْ، ولذِكرُ الله أكبر.

خطب و دروس جامع الحمد

موقع جامع الحمد